النتيجة الرئيسة التي نخرج بها من مؤتمر "الإسلاميون في الحكم" (الذي عقد في واشنطن الأسبوع الماضي)، تتمثل في أنّنا لسنا أمام حزمة موحدة واتجاه واحد مشترك تسير فيه التجارب الإسلامية في العالم العربي (بصورة خاصة: مصر، تونس، المغرب، ليبيا، والأردن). ومستقبل الأنظمة الجديدة أو المرحلة القادمة لن يكون موحداً أو متشابها بالضرورة.
الاختلاف بين التجارب الإسلامية المتعددة يعود إلى اختلافات ذاتية بين الحركات الإسلامية ودرجة تطورها. لكنه أيضاً يرتبط بطبيعة العملية السياسية، والظروف الموضوعية والشروط التاريخية لكل دولة من هذه الدول.
بدا واضحاً أن التجربة المغاربية، سواء في المغرب أم تونس، تسير بانسيابية وتدفق ناعم، وتتجنب الأزمات والمشكلات التي وقعت في الدول الأخرى. ففي تونس – مثلاً- أعلن حزب النهضة أنه لن يسعى إلى إضافة أي مادة من المواد التي تطالب بتطبيق الشريعة –في الدستور الجديد- وسيكتفي بالمادة العامة التي تتحدث بأن "الإسلام دين الدولة". وحرص الحزب على أوسع تمثيل سياسي في كتابة الدستور الجديد، ما جنب العملية السياسية هناك معارك وسجالات كبيرة، كما يحدث في مصر اليوم.
موقف "النهضة" مغاير طبعاً للسلفيين الذين سيّروا مظاهرة في العاصمة تطالب بتطبيق الشريعة، فرد عليهم التيار العلماني-اللائكي (اللاديني) بمظاهرة أخرى ترفض تطبيق الشريعة. لكن هذه الاحتكاكات والسجالات بقيت خارج اللعبة السياسية.
ليس هذا فقط، بل أعلن حزب النهضة قبوله الالتزام بمدونة الأحوال الشخصية التونسية، وهي مدونة لا تبيح تعدد الزوجات، وتضع للمرأة ذمة مالية مستقلة، وتحتوي على أحكام تعتبرها فتاوى إسلامية أخرى مخالفة للشريعة الإسلامية. وقد برر الحزب هذا القبول بأنّ هذه المدونة هي إبداع لعلماء جامع الزيتونة، وليست ميراثاً من الحقبة السابقة. ووفر الحزب بذلك على نفسه الدخول في صدام وسجال شرس على هذه المدونة، وما أنتجته من وقائع خلال العقود الماضية.
دخل حزب النهضة في حكومة ائتلافية مع أحزاب علمانية، وتوافق مع القوى الأخرى على منصف المرزوقي رئيساً. ويسير الحزب بخطوات ثابتة سلسة لترسيخ النظام الديمقراطي الجديد، بروح براغماتية وواقعية، تتأثر –بلا شك- بشيخ التجربة راشد الغنوشي، وبكتب علماء إسلاميين مثل محمد الغزالي رحمه الله، وبتجربة "العدالة والتنمية" التركي.
بالمقارنة مع ذلك، تبدو التجربة المصرية، وتحديداً في عملية ولادة الدستور الجديد والسباق على الرئاسة، أقل انسيابية، وتواجه مخاضاً عسيراً، في وقت بدأ فيه شبح الصراع مع المؤسسة العسكرية يلوح في الأفق، فيما يدفع ترشيح عمر سليمان نفسه، وما يثيره اليوم من انقسام، إلى القلق الشديد من "الماكينة" الشرسة للثورة المضادة التي بدأت تلتف على العملية السياسية!
على الطرف الآخر، لا تختلف التجربة المغربية عن التونسية؛ إذ يبدي حزب العدالة والتنمية المغربي، والذي يشارك في الحكومة اليوم كطرف أساسي، مرونة كبيرة في التعامل مع مؤسسة الحكم، ولا تبدو في الأفق ملامح لأي أزمة داخلية.
على النقيض، تبدو العلاقة بين الإسلاميين المقاطعين في الأردن ومؤسسة الحكم متوترة مأزومة، والمناخ السياسي متشنج. وإذا كان بعض المراقبين يضع قسطاً من المسؤولية على الحركة الإسلامية التي لم تصل إلى الدرجة نفسها من البراغماتية، كما هي الحال في تونس والمغرب، فإنّ عليهم ألا ينسوا بأنّ لدى الإخوان في الأردن مدرسة عبداللطيف عربيات وإسحاق فرحان التي لا تقل ليبرالية وبراغماتية، لكنها ستكون معطلة في مثل الظروف الراهنة، مقارنةً بتجربتنا بالأمس حين كانت متقدمة على الدول العربية الأخرى. السؤال: لماذا تأخرنا اليوم؟ ولماذا نصر على وصفة التأزيم ونتعامل مع الإسلاميين بوصفهم خصماً وتحدياً وليس شريكاً؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد