عندما همّ رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، بمغادرة بيت عزاء المجاهد بهجت أبو غربية، في عمّان، علا صوت مجموعة من المتواجدين هناك ضده، لأنّه –برأيهم- تخلّى عن "محور الممانعة" وكل من إيران وسورية.
ربما تريد هذه المجموعة، ومن يشد على يديها في الإعلام الأردني، من حماس أن تعلن موقفاً مندّداً بالثورة السورية، ومباركاً لمجازر النظام هناك بحق المدنيين والأبرياء. وربما كان يفترض بمشعل أن يبعث ببرقية تهنئة لآصف شوكت وعلي مملوك وماهر الأسد على قتل أطفال حمص ودرعا وريف دمشق، ودعما للصواريخ التي تقصف المنازل بمن فيها!
مصلحة حماس السياسية والاقتصادية واللوجستية كانت تقتضي أن تقف مع النظام السوري وحليفه الإيراني، كما فعلت غيرها من المنظمات الفلسطينية في دمشق. لكن ما حدث هو عكس ذلك تماماً؛ إذ تمكّنت الحركة من تجنب الوقوع في فخ "الانتحار السياسي" والرهان على نظام آيل للسقوط في أي لحظة.
ضغطت السلطات السورية على قادة حماس لإصدار موقف مؤيد للنظام منذ البداية. وبعد نقاش وأخذ ورد، تمّ إصدار بيان اعتبرته السلطات هناك مخيباً للآمال، ثم بدأت العلاقة بالتدهور مع ارتفاع منسوب الأزمة السياسية والأمنية للنظام، وفي الوقت نفسه حجم الضغوط على حماس، فكانت النتيجة أنّها لم تخسر دمشق وحدها بل طهران وحزب الله بعد أن انحاز كلاهما ضد الثورة سياسياً وإعلامياً واقتصادياً ولوجستياً.
عرضت حماس المساعدة على الأرض من خلال التوصل إلى تفاهمات لحل سياسي للأزمة، وحذّرت القيادات السورية من خطورة الحل الأمني. إلاّ أنّ هذه "العروض" تم تجاهلها، بل ودفعت حماس ثمن موقفها هذا في علاقتها مع النظام السوري، إذ بدأت تسوء منذ تلك الفترة.
الكتّاب اليساريون والقوميون الذين انقلبوا على أنفسهم تجاه حماس، وأطلقوا مواقف معادية لزيارة مشعل لعمان، على خلفية موقف الحركة من الأزمة السورية، يتجاهلون أنّ قيادة حماس هي من سارع منذ البداية (عندما كانت الثورة ما تزال في درعا) إلى تقديم النصيحة للقيادة السورية بضرورة المسارعة في الإصلاح السياسي، قبل أن تتطور الأمور.
هذه المواقف من حماس ومن الثورة السورية عموماً تأكيد دامغ أنّ لدينا خطابات سياسية في جوهرها نازية وفاشية، ليست لديها أي مشكلة في تأييد أي حاكم بدواع قومية أو أيديولوجية حتى لو كان دكتاتوراً جباراً متغطرساً يسفك الدماء كما يشرب الماء!
بالرغم من ذلك، ما نسمعه من قادة حماس (عبر الإعلام) هو عدم إنكار فضل النظام السوري في احتضان الحركة وحمايتها وتوفير الدعم لها، في وقت سدّت النظم العربية، وما تزال، الأبواب في وجهها، بل حاربتها هذه الحكومات، وما تزال..
اليوم، كما تذكر التقارير الإعلامية، فإنّ حماس قد خرجت من سورية، عبر انسحاب تكتيكي منظّم خلال الأشهر الماضية، وربما الشخص الوحيد الذي بقي يتردد بين الفينة والأخرى على دمشق هو خالد مشعل، الذي بدأ عملياً يتنقل بين القاهرة والدوحة!
ما يزال قادة الحركة يؤكّدون بأنّ كل ما يقال عن إيذاء أو اعتداء وتعدّ وتحرش من النظام السوري بالحركة وأنصارها وأبنائها في دمشق هو محض إشاعات وغير صحيح، فليس صحيحاً ما ذكر عن ابنة مشعل وزوجها من اعتقالهما على يد السلطات السورية، وهما مقيمان الآن في تركيا، ولا عن باقي أسر قيادات الحركة.
يرحل قادة حماس من "الحاضنة السورية" يبحثون عن أماكن أخرى جديدة، لكنّهم يصرون بأن يكون الطلاق بإحسان ومعروف بعدما كان التزاوج بالتراضي والتوافق!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد