ما نُشر عن اجتماع شورى جبهة العمل الإسلامي الأخير من تصريحات وآراء غير تقليدية، تتحدث عن الاستعداد لمرحلة المشاركة في الحكم، يعكس انقلاباً جوهرياً في التفكير السياسي لجماعة الإخوان من التمركز في خانة "المقاطعة" والاستنكاف عن المشاركة في لجنة الحوار ورفض مخرجاتها، إلى التلميح إلى مرحلة تدخل فيها الحركة الإسلامية إلى الحكم.
لم تأت التصريحات من فراغ، فحمزة منصور يطالب فيها الحركة للاستعداد لمرحلة مختلفة، قائلاً "الإسلاميون قادمون والمشاركة في الحكم أصعب من المعارضة"، ومن ثم تصريحات رئيس مجلس الشورى، علي أبو السكر للزميلة السبيل، التي يؤكّد فيها "إنّ أي حزب يسعى إلى السلطة التنفيذية".
وفي تقرير لافت في يومية السبيل، التي تتحدث عملياً باسم الحركة الإسلامية، يشير الزميل تامر الصمادي إلى مزاج إخواني جديد مسكون بروح الانتصار والانتقال من مقاعد المعارضة الأيديولوجية إلى تشكيل الحكومات، مع وجود توجه داخل الحركة لتغيير قيادات عليا لتولي "وجوهٍ سياسية"، في المرحلة المقبلة، التي تشير المعطيات أنّها ستشهد "مشاركة فاعلة"، وفقاً لتصريح حمزة منصور.
بالضرورة، تطرح هذه التصريحات والتوجهات أسئلة رئيسة عن "المصدر" أو "نقطة التحول" التي حدثت ودفعت بالجماعة إلى هذه التوقعات والطموحات إذ إنّ ما يدور على "السطح" يبدو معاكساً لهذا الطرح.
لا يمكن (هنا) استثناء الربيع الديمقراطي العربي الذي جاء بغطاء إسلامي من تفسير التفاؤل الإخواني، بخاصة أنّ أشقاءهم في مصر وتونس والمغرب، وربما غداً في سورية وليبيا واليمن، هم اليوم من يملكون الأغلبيات داخل البرلمانات العربية، ويشكلون الحكومات الجديدة.
داخلياً؛ بالرغم من الحملة الإعلامية والسياسية الأخيرة على الجماعة، ومن الاحتكاكات غير المسبوقة التي حدثت في المفرق، إلاّ أنّ الرياح السياسية تسير في اتجاه إدماجها في اللعبة السياسية ومنحها دوراً محورياً، وليس العكس.
يعزّز هذه المؤشرات العروض التي تلقتها الجماعة مؤخراً للمشاركة في الحكومات، سواء مع د. معروف البخيت أو د. عون الخصاونة، بل تؤكّد مصادر موثوقة أنّ رغبة حقيقية كانت لدى "مطبخ القرار" بمشاركة الإسلاميين الفاعلة في حكومة الخصاونة، وأن يكون الرجل الثاني في الحكومة من الإخوان، شخصية بوزن
عبد اللطيف عربيات، إلاّ أنّ الإسلاميين اعتذروا!
إذن، نحن أمام مؤشرات صارمة ومحدّدة تذهب نحو "معادلة" جديدة في العلاقة بين النظام والإخوان، وما يحدث حالياً هو "مناورات تكتيكية" ومحاولة لتحديد شروط اللعبة وسقوفها، إلاّ أنّ الطرفين في نهاية اليوم يدركان أنّ الخيارات المتطرفة أو الراديكالية ليست مطروحة، بل ربما ما يمكن أن يجمعهما على المدى المنظور أكبر مما يمكن أن يفرّقهما.
في خلفية المشهد؛ فإنّ "الفيتو" الأميركي، أيضاً، رُفع عن مشاركة الإسلاميين في الحكومات، وهنالك حوارات ومفاوضات معهم في أكثر من دولة عربية، ما يعني أنّنا أمام تحول حتى في دور العامل الخارجي، الذي ساهم سابقاً في الحيلولة دون وصول الإسلاميين إلى مواقع القرار والحكم في البلاد العربية.
كالعادة، سترى أوساط رسمية ويمينية في التصريحات الإخوانية أمراً مقلقاً، وستحاول التحريض ضدها، كما حدث عندما صرّح عزام الهنيدي ( حينها كان رئيس كتلة الإخوان في البرلمان) في العام 2006 بأنّ الإسلاميين مستعدون لاستلام السلطة التنفيذية، فقامت الدنيا ولم تقعد عليه.
الزمن تغير، جرت مياه كثيرة تحت الأقدام، ما كان بالأمس محرمات أصبح اليوم حديثاً عادياً منطقياً، فالحديث عن حكومات أغلبية نيابية وتداول للسلطة أصبح مطروحاً من "مطبخ القرار"، فمن الطبيعي أن يكون الإسلاميون هم أول من يطمح إلى تشكيل الحكومات، وفق مخرجات اللعبة الديمقراطية، فهذا التوجه مطمئن وليس مقلقاً!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد