ما حدث في المفرق مؤلم ومحزن كثيراً، ولن أخوض في التفاصيل، لكن الدلالة المجملة - عموماً- مقلقة كثيراً، بالتزاوج مع أحداث الجامعة الأردنية التي هزّتنا في أعماقنا، وهذا وذاك يتزامن مع تجدد العنف الاجتماعي في مناطق مختلفة من المملكة.
المؤشر الرئيس هو أنّ "مراكز القرار"، خلافاً لكل الرسائل السياسية، لم تحسم موقفها بعد تجاه الإصلاح، فالرهان ما يزال قائماً على احتواء الحراك الشعبي وتبديده، والتلاعب به وتقسيمه على أساس إقليمي، وهي اللعبة الخطرة ذاتها التي استخدمت في 24 آذار، قد يعرف البعض أين يبدأها، لكنه لا يعرف أين تنتهي!
الحكومة بدت في أحداث المفرق غائبة تماماً، كالطفل التائه، فهي قد خسرت بعض المكاسب الإعلامية التي تحصّلت عليها في البداية، وعاد السؤال مرّة أخرى: هل نحن أمام حكومة واحدة أم حكومات متعددة! وهل هنالك دولة واحدة في البلاد جغرافياً وسياسياً، يطبّق فيها حكم القانون ومسطرته على الجميع أم دويلات وجهويات تحدد هي القانون الذي تريد، بل وتفرض ذلك على الدولة وتبتزها!
تحقق الدولة، اليوم، تقدّماً خطوة واحدة نحو الإصلاح لتعود في اليوم التالي خطوات ثلاثا إلى الخلف، وترجع إلى الأساليب التقليدية والبالية، ولمعادلة عنوانها الاسترضاء وشراء الولاء، وهو ما يضعفها تماماً ويجعلها هشّة مرتبكة تدور في حلقة مفرغة.
في خضم ذلك كله تعود الضغوط الرسمية على الإعلام بأنواعه المختلفة، والأخطر هو خضوعه لذلك، مما يخل تماماً بمصداقيته وقدرته على أن يكون رافعة للإصلاح الجوهري الحقيقي، ما يكشف أنّ العقلية الرسمية ما تزال هي نفسها تحتكم إلى المنظور الأمني، وربما لا تملك غيره!
بالأمس عدت من تونس، بعد مشاركة في ندوة عن الربيع الديمقراطي العربي، التقينا بمثقفين من مختلف الدول العربية، لكن الحوار الأكثر أهمية كان – بالنسبة لنا- ذلك الذي يسود في الفضاء التونسي اليوم، بعد أن تشكّلت الحكومة الائتلافية وتم اختيار رئيس جديد لتونس. فبرغم خطورة الأزمة الاقتصادية وتأثيرها المفصلي القاسي على المواطن العادي إلاّ أنّك تلمس تماماً حالة التفاؤل العام لدى المواطنين والشعور بتحمل المسؤولية وإرادة الوصول بالبلاد إلى أمام.
تونس، اليوم، ترسّم نجاحات أولية للمرحلة الانتقالية في العالم العربي، فهي تنعم بالحرية الإعلامية والسياسية، تقرأ في الصحف انتقادات حادة للحكومة الجديدة، ويتحاور الجميع في مناخ حيوي وصحّي، ولا توجد أزمة بين المواطن والدولة، ولا حالة من الاحتقان والإحباط تمثّل برميل بارود مهدد بالانفجار في أيّ لحظة، فالكرة الآن في ملعب المواطنين أنفسهم يأتون بالحكومات ويغيرونها ويقولون ما يريدون، وهو جوهر الشعور بالمسؤولية السياسية الحقيقية.
السير إلى أمام بصورة حاسمة وثابتة هي الطريق الوحيدة للمستقبل لبلادنا، أما محاولة قولبة الحراك في مربع التحدي بين الدولة و"الإخوان" وإلباسه ثوباً إقليمياً لن يخدم أجندة الإصلاح، وهي الأجندة الوحيدة القادرة اليوم على إخراج الدولة من أزمتها العميقة الراهنة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
من يركبون موجة الحديث نيابة عن الدولة ضد الإصلاح سيكونون - غداً- الحاجز المنيع إذا ما تأكّد لمطبخ القرار بأنّه لا بديل عن المسار الديمقراطي لإنقاذ البلاد، فليس الرهان اليوم على أجندة الإخوان و"نواياهم الحقيقية"، كما يلوح التيار اليميني، بل على أجندة الدولة فيما إذا كانت تنظر للمستقبل أم إلى وراء!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد