ثمة رسائل سياسية مباشرة وقوية أتت من مؤسسات القرار ومن أعلى المستويات تجاه ملف الفساد، ومن الواضح أنّها تعكس قناعة بدأت تترسّخ بأنّ الفساد يقتات على هيبة الدولة وقيمها وعلاقتها بالمواطنين، وهو السبب الجوهري والرئيس للاحتقان الشعبي العام.
الرسالة الأهم تتمثّل في لقاء الملك بشخصيات من مختلف المؤسسات الرسمية المعنية بحماية المال العام، ومطالبتهم بإيجاد إطار قانوني لمكافحة الفساد يجمع هذه المؤسسات. وأكّد الملك في السياق أنّ المواطن تعب من الشعارات، وأنه لا أحد فوق القانون. وقد تزامنت هذه التصريحات مع أخرى لرئيس الوزراء يؤكّد فيها على الجديّة في مكافحة الفساد.
تلك الرسائل انعكست على أرض الواقع مباشرةً من خلال الإعلان أنّ المدّعي العام سيباشر الاستماع لشهادة عدد من كبار الشخصيات السياسية في ملف الكازينو والتحقيق في ملفات أخرى، من بينهم رئيسا وزراء سابقين، ومدير سابق للديوان الملكي، ووزراء، وأمين عمان السابق، مع وجود ملفات مطروحة أمام القضاء وأمام مجلس النواب مثل "سكن كريم لعيش كريم" و"شركة موارد".
التحقيق، بالتأكيد، لا يعني الاتهام، بل إن بعض هذه الأسماء مثل شريف الزعبي ومها الخطيب، كانا رافضين للطريقة التي تم بها تمرير موضوع الكازينو، لكن المهم أن المواطن يشعر للمرّة الأولى أنّ الأسماء التي كانت محصّنة من المساءلة والحساب هي اليوم مثلها مثل الآخرين أمام القضاء، وستُسأل عن الملفات المختلفة والمتعددة.
هذه هي الوجبة الأولى، وينتظر المواطنون وجبات أخرى في قضايا أخرى أثارت الرأي العام، ليقول القضاء فيها كلمته ويحسم الجدل حولها، ليميز بين البريء والمخطئ والفاسد، ويأخذ كلّ شهادته معه أمام الرأي العام والشعب.
وكي يكون هنالك انعكاس واضح ومباشر لهذه القضايا على الرأي العام، لابد أن تكون هنالك شفافية كاملة مفتوحة، وأن يمنح القضاء وسائل الإعلام الحق في الحصول على المعلومة، وتمكين المواطنين والإعلام من الإطلاع عليها.
ذلك هو ما يميز الدول القوية والمحترمة عن الدول الهشّة المتخلفة. فليس غريباً حتى في الكيان الإسرائيلي أن نسمع بأن رئيس الوزراء ووزراء ومسؤولين كبارا قد حوكموا واتهموا ودينوا بقضايا رشاوى وفساد، فلن يقول أحد إنّ ذلك يهدد الاستثمار ويزعج المستثمرين، بل هو عنوان قوة الدولة وثقتها وسيادة القانون، وهذا ما يريده المستثمر الحقيقي، أمّا النصّابون وأصحاب غسل الأموال فهم الذين يبحثون عن الدول التي يترعرع فيها الفساد ويُحصّن فيها الفاسدون!
إذا كانت بالفعل هذه الرسائل المكثفة والمتصلة تشي بوجود قرار ثوري من أعلى المستويات باجتثاث "سرطان الفساد" وتقديم كشف حساب معه أمام الرأي العام، فإنّها تعكس –في الوقت نفسه- تغيراً كاملاً، بل انقلاباً ضد المرحلة السابقة التي كان فيها الخطاب الرسمي يحاول لملمة الحديث عن الفساد عبر الحدّ منه، سواء عبر تشريعات أو الرقابة على الآراء، وهو ما عزّز القناعة بأنّ هنالك "تستراً" على الملف، وزاد من منسوب الضرر.
من الواضح أنّ "مطبخ القرار" قد أيقن أنه لا يمكن المضي خطوة واحدة في مواجهة الأزمة المالية وإنقاذ الموازنة، طالما أنّ القناعة بالفساد تملأ عقل شريحة واسعة من المواطنين. فلابد، إذن، من الحلول الصعبة لحماية الجميع، وللانفكاك من حبال ملف الفساد التي شلّت قدرة الدولة وأضعفتها أمام الرأي العام والمجتمع.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد