قطع الطريق الصحراوي أول من أمس، من قبل أهال غاضبين يطالبون بإعادة أراضٍ -يقولون إنّها سجّلت بأسماء متنفذين- لم يعد أمراً غريباً لدينا! سبق ذلك بأشهر قليلة قطع طريق المطار الدولي عبر أهال غاضبين على إحداث البلديات، وأحرق شباب غاضبون (قبل أيام قليلة) في محافظات الجنوب، أيضاً، إطارات مطّاطية مطالبين بتوفير فرص عمل لهم.
تعدّدت الأسباب والأزمة واحدة. فخلال هذه الفترة عدنا، مرّة أخرى، لنناقش العنف الاجتماعي والجماعي، وندور في الحلقة المفرغة، ونجتر ونكرر أنفسنا. بينما تستهلك الدولة هيبتها وقيمتها عبر استخدام الأساليب نفسها، فتبدأ باستخدام مفرط للقوة من قبل الدرك، ثمّ تعود مرّة أخرى إلى منطق "الصلحات" والجاهات، وفي كثير من الأحيان إلى تقديم تنازلات للطرف الآخر.
بالضرورة، لا يمكن أن نضع أحداث الشغب والعنف والاشتباك مع الأمن في حزمة واحدة متجانسة، فمع رفض استخدام العنف مبدئياً، إلا أنّه في أحيان يكون ردّاً على ظلم معين أو إفراط في استخدام القوة، وفي أحيان أخرى جراء مظالم اقتصادية واجتماعية، وثالثة هو استقواء سافر على الدولة واستعراض عضلات عشائري وإعلامي.
لكن ما يجمع الحالات جميعاً أنّها تؤكّد أنّ هنالك خللاً كبيراً يحيله مسؤولون إلى الانفلات الاجتماعي والسياسي المرتبط بتحولات المزاج الشعبي والظروف الاقتصادية الصعبة، وآخرون إلى فقدان الدولة لهيبتها وإلى ما اصطُلح عليه بـ"الدولة المرعوبة" أو الرخوة.
الخلل في علاقة الدولة بالمجتمع، عموماً، ليس حدثاً عابراً، بل هو نتاج تراكم سلسلة كبيرة من السياسات الاقتصادية والأخطاء والمقاربات المغلوطة في إدارة المشهد السياسي والاجتماعي، ومزاج شعبي متوتر، وهو ما أضعف الدولة وحضورها وهيبتها، ففقدان الهيبة هو نتيجة لذلك، وليس سبباً بحاجة فقط إلى "عصا أمنية" غليظة للتعامل معه.
الحلقة المفقودة تكمن في حالة الضبابية السياسية الحالية، بصورة أساسية فيما يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فإلى الآن أغلب الناس، بل حتى السياسيون المخضرمون، لا يعرفون: ماذا تريد الدولة؛ هل تريد إقامة حكم القانون والمواطنة والتعامل مع الناس على هذا الأساس، أم الاحتفاظ بسياسة الاسترضاء والتجييش وتعزيز الهويات الفرعية والمناطقية تحت عنوان "الولاء"؟!
أنا، شخصياً، لا أعرف الجواب، ولا أظن أنّ "مطبخ القرار" قد حسم أمره في ذلك، إذ تتحدث الدولة في العلن برسالة الإصلاح ودولة القانون، وفي السرّ بلغة مختلفة تماماً. لو كان شعور من المواطنين عموماً والموظفين ورجال الأمن والجميع بأنّ المنطق الذي سيسود في النهاية هو "حكم القانون"، وأنّ التعامل مع الجميع تحت هذه المظلة، مع وجود قضاء عادل ومستقل وفاعل، فستكون لدى الجميع توقعات واضحة محدّدة حول سلوك الحكومة والدولة تجاه القضايا المختلفة؛ ما يرتبط بالشغب والعنف الاجتماعي والجامعي أو حتى الاحتجاجات المطالبية.
أمّا عندما تكون الصورة غير واضحة، لدى الجميع، وتختلف استجابة الدولة من منطقة لأخرى تبعاً لعوامل متعددة، ولا توجد توقعات محددة لدى المواطنين، ولا توجد مسطرة قانونية واحدة للجميع، فإنّ العقلية التي ستسود عشوائية غير منتظمة، تعتمد على الشعور بأنّ الدولة تتعامل بمزاجية المسؤول وتبعاً لمتغيرات مختلفة، وأنّ الحل هو في تحصيل ما يمكن عبر القوة أو التحايل أو أي وسيلة أخرى سريعة الأثر، طالما أنّ الفوضى السياسية هي الحكم بين الجميع!
هيبة الدولة تتمثل في سيادة القانون على الجميع، وفي منطق المواطنة، فذلك أساس العدل والإصلاح بين الناس، والبديل هو "فلّة حكم"!
 

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   محمد ابو رمان   جريدة الغد