سنضطر هذه المرة أن نخرق التقاليد الإعلامية ونتحدث عن استقالة الزملاء طاهر العدوان وفهد الخيطان وسلامة الدرعاوي. وهم ثلاثة أساسيون في أعمدة "العرب اليوم"، فالموضوع يتجاوز الشؤون الداخلية للصحيفة إلى المشهد الإعلامي الوطني بأسره.
هي، بلا أدنى شك، خسارة كبيرة ليس فقط للإعلام الأردني، بل حتى للرأي العام والسياسيين. فالفريق الثلاثي، مع زملائهم في "العرب اليوم"، مثّلوا مدرسة إعلامية لها لونها ومذاقها ونكهتها، وحظيت باحترام شديد من قبل المسؤولين والمعارضة على السواء، ولعلّ الدلالة الأبرز أنّ الملك والملكة استقبلاهم بعد الاستقالة وأكدا لهم دعمهما المعنوي وأسفهما على هذه الخسارة!
المشهد الإعلامي بدا منقوصاً عندما نفتح صحيفة "العرب اليوم" فلا نرى مواقف طاهر العدوان المبدئية، التي تشكّل بوصلة القيم الأخلاقية والمهنية، ومقالات فهد الخيطان التي تمنحنا وجبة دسمة عن خفايا السياسة وأسرارها مع رأيٍ حصيف مهم يحظى باهتمام أغلب السياسيين والمحللين، وخبطات سلامة الدرعاوي ومقالته النقدية الاقتصادية القارصة. بالطبع، هذه الاستقالة لا تعني، بحال من الأحوال، أن يعتزل الزملاء العمل الصحفي المحلي، فربما نجدهم في منابر أخرى ومواقع إعلامية متنوعة، لكننا سنفتقد اللون الإعلامي والسياسي الذي منحوه عبر إدارتهم التحريرية للمشهد الإعلامي الأردني. ما حدث مع "العرب اليوم" يتجاوز الحديث عن الصحيفة وعن هذه القامات الإعلامية، فهو يرتبط بالإعلام المهني المستقل الحرّ عموماً، وهو يعاني الأمرّين مهنياً وسياسياً ومالياً، وما يجده من الدولة هو الصدود ومحاولة التطويع والتدجين فقط، أو إعلان الحرب وممارسة الضغوطات، كما حدث مع "العرب اليوم" ومعنا في "الغد"، ومع صحف ومواقع إعلامية أخرى. المسؤولون، لدينا، لا يؤمنون في قرارة أنفسهم بالحرية الإعلامية، ويبدون تذمّراً وتشكيكاً في كل ما ينشر من آراء أو أخبار تحمل في طيّاتها نقداً لسياسات أو كشفاً لحقائق ومعلومات أراد المسؤولون تخبئتها، لأنهم لا يؤمنون بحق الرأي العام في الحصول على المعلومة، ولا بالشفافية ولا باستقلالية الإعلام.
فوق أنّ "دوائر القرار" تتذمر من الإعلام الحرّ والمستقل، فهي لا تمنح أهمية تذكر حتى للإعلام الرسمي الذي يدافع عن الدولة، وليس فقط الحكومة، حتى يكسب مصداقية لدى الرأي العام، ويمكّن الدولة من تسويق مواقفها وروايتها السياسية، فحتى السقوف المتدنية للإعلام الرسمي تعاني دوماً من التدخلات والضغوطات والواسطات والعلاقات العامة. وفي الوقت الذي تنظر فيه الدول في العالم اليوم إلى الإعلام كأحد أهم مصادر القوة الناعمة للدولة، وصاحب الكلمة العليا في حسم معارك سياسية، بل وعسكرية (عبر العالم الافتراضي والحروب المعنوية)، فإنّ النظرة الرسمية للإعلام تتقوقع في منظور التدجين ليكون كالببغاء يردد ما يقوله المسؤولون، بدون النظر إلى أنّ مثل هذا الإعلام أصبح من التاريخ، وإلى أنّ ذلك سيجعل من هذه المؤسسات الإعلامية أضحوكة أمام الرأي العام المحلي، فضلاً عن الخارجي.
الإعلام تطوّر كثيراً، وأصبح لاعباً رئيساً في السياسات المحلية والإقليمية والدولية. والصورة الإعلامية أخطر من الصواريخ العابرة للقارّات، والدولة التي لا تمتلك إعلاماً قوياً يحظى بالمصداقية والقبول لدى الرأي العام هي دولة ضعيفة ومهزوزة، فيما يبدو الإعلام الأردني، وإن شهد تطوراً مهماً خلال السنوات الماضية عبر المواقع الالكترونية و"الفيسبوك"، ما يزال محدوداً وضعيفاً مقارنة بالتطورات الإعلامية المتسارعة حولنا. ما حدث في "العرب اليوم"، وقبلها في مؤسسات أخرى، يستدعي الوقوف كثيراً ولا يجوز أن يكون حدثاً عابراً.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد