لا يجد الباحث في الغرب صعوبة تذكر إذا ما أثبت جدارته وقدراته أن يجد معهداً أو جامعةً علمية متقدمة ترعى موهبته وتعزّز إنتاجه، وتجعل منه خبيراً وباحثاً متميزاً، وتوفر له الدعم المالي المطلوب واللازم.
لكنّ مثل ذلك الباحث الغربي ستفتقد أبحاثه ودراساته لروح المكابدة والتحدي التي تميّز الباحثين العرب المناضلين والجادّين، الذين يحفرون في الصخر في الوصول إلى التميز العلمي والموضوعية، بخاصة إذا كان هذا الباحث من الطبقة الوسطى أو الدنيا، إذ سيعتمد على مكابدة الحياة والبحث والظروف القاهرة، مع غياب المؤسسات العلمية والمدنية التي تتبنى البحث العلمي بصورة حقيقية وفاعلة.
نموذج الصديق الراحل الباحث المصري حسام تمّام، وهو من جيلي (مواليد السبعينيات)، يتجاوز قيمة إنتاجه المعرفي المتميّز في حقل "الحركات الإسلامية"، إلى النضال الشخصي نفسه ورسالته السياسية والأخلاقية، فهو لم يدرس الحركات الإسلامية في مهمة معرفية فقط، بل درسها في مهمة إصلاحية.
فهو وإن كان ينتمي –فكرياً- إلى التيار الإسلامي بنزوع قومي، وهو مع إدماج الإسلاميين في الحياة السياسية، إلاّ أنّه امتلك الجرأة أيضاً أن يختلف مع الحركة الإسلامية، وأن يتحمّل كلفة الاختلاف المزدوج معها ومع النظام، وهي كلفة ليست سهلة في عالمنا العربي، مقابل إمساك حسام بالموضوعية الجادّة كسلاح لقيمة إنتاجه البحثي ورسالته السياسية.
صدمتنا برحيل حسام ربما تكون علينا –أبناء جيله- أكثر قسوة. وأعرف كثيراً من الأصدقاء ممن عانوا في حياتهم مثل حسام، فهم ممزقون بين البحث عن "لقمة العيش" والهاجس المعرفي والبحثي، وأخيراً محاولة الوصول إلى أجوبة وحلول ومخارج للأزمة السياسية والمجتمعية العربية.
لقد كتب حسام عن الحركات الإسلامية في مصر، فله كتابان متميزان عن الإخوان المسلمين؛ الأول عن التحولات الثقافية لدى جيل الشباب، والثاني عن "تسلّف الإخوان"- أو الاتجاه السلفي داخل الجماعة. وله أيضاً دراسات وقراءات قيّمة عن الحركة الإسلامية في المغرب وتركيا، وعن المسلمين في أوروبا، وله موقع لرصد ومتابعة الكتابات والأخبار عن الحركات الإسلامية في العالم. وقد حرّر مذكرات القيادي الإسلامي، ومرشّح الرئاسة المصرية اليوم، عبدالمنعم أبو الفتوح.
كنت عندما ألتقي بالراحل أغبطه على جَلَده في البحث العلمي، وتضحيته من أجل ذلك بالراحة المالية والأسرية، فقد كان يجلس في دول لدراسة الظاهرة الإسلامية أوقاتاً طويلة، معتمداً على الحدّ الأدنى من الإمكانات المالية، في فنادق متواضعة جداً، بينما كان بإمكانه لو أنّه أرخى العنان لشهواته أن ينال من حظوة السلطة وراحة الموقع الذي يريده ما كان يغنيه عن هذا "العناء"، لكنه اختار الطريق الشاقة، وهي التي منحته المصداقية والموضوعية والحرية العلمية والتحرر من أي ضغوط في بحثه ومواقفه السياسية وآرائه الفكرية.
إذا كان قدر حسام الرحيل مع إطلالة الربيع الديمقراطي العربي، فما نأمله أن تقطف الأجيال القادمة من الباحثين ثمار هذا النضال، فتنال ما لم ينله حسام وجيله، وتنعم بمؤسسات علمية وبحثية عربية ترعى هذه المواهب وتوفر لها شروط الإنجاز والإنتاج والإبداع.
رحمك الله يا صديقي، فقد كنت طيباً في حياتك، وستبقى ذكراك عطرة في قلوب من عرفوك وأحبوك..

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد