في مسرحية "الآن فهمتكوا" التي كتب نصّها زميلنا المبدع دائماً أحمد الزعبي، وأدى أدوارها نخبة من الفنانين الأردنيين، يتقدّمهم موسى حجازين، ثمة صورة حقيقية للوطن، نحاول أن نتحايل عليها ونجمّلها ونهرب منها، لكن الزعبي وحجازين يصرّان أن يقدّماها لنا كما هي، على حقيقتها، فينتزعان الضحك المجبول بالمرارة والحزن من الجمهور الذي يحتشد به دوماً مسرحهما السياسي.
عبر مشاهد أربعة جريئة صريحة يلخص الثنائي الزعبي- حجازين المشهد السياسي الأردني، بلغة شعبية بسيطة قريبة من الجميع، بدءاً من حديث الفساد الذي نهب الخيرات والثروات، إلى مهزلة تشكيل الحكومات التي صوّرتها المسرحية وكأنّها سحب على أوراق اليانصيب، لاختيار الوزراء (الياوزير الخيري)، إلى الفلكلور الهزلي الذي يصحب زيارة المسؤولين للمحافظات والمناطق المهمشة، وهو مشهد يكشف حجم الفجوة المتنامية بين المسؤولين في عمان وأبناء تلك المحافظات، وأخيراً يأتي المشهد الأخير الذي يستدرج تداعيات الربيع الديمقراطي العربي إلى الأردن بلغة رمزية مواربة، لكنها تستبطن سقفاً غير مسبوق على الإطلاق في المسرح الأردني، يبعث برسائل تحذير شديدة اللهجة لما وصلت إليه الحال السياسية.
لا تعلم وأنت تشاهد المسرحية هل تضحك أم تبكي! فهي، بالفعل، كوميديا سوداء، برائحة أردنية صافية، نص من قلب الواقع، وممثلون يمسكون بجمر المسرح والفن الملتزم، برغم حرارته وجفائه!
لا تعلم هل تضحك فرحاً لهذا الإنجاز والعمل الجميل الذي يقدّمه حجازين بعد غياب سنوات أم تبكي على هذا الفنان وزملائه لما يواجهونه من تجاهل وإنكار وإشاحة وجه من المسؤولين والمعنيين، فبدلاً من أن يستمتع الفنان بفنه ويجني ثمار عمله، ويوفر ما يستطيع من خلاله تطوير مسرحه والارتقاء به، تجده يدفع بنفسه ثمن فنه ليعرضه على الناس! ولو كان هو من يدفع الفاتورة المالية والنفسية!
موسى حجازين هذه القامة الفنية الأردنية الرفيعة، وهو كوميدي من طراز خاص، كان يجدر بالدولة ومؤسساتها أن تجعل منه علماً عربياً، كأشقائه من الفنانين العرب، الذين لا يقل حجازين شأناً عن أيّ منهم، لكنه بدلاً من ذلك وجد صدوداً وعدوانية من الدولة ومؤسساتها الثقافية، بل كان اسمه على "اللائحة السوداء" في فترة قريبة، فهو ممنوع من دخول التلفزيون الأردني بأمر إحدى إداراته التي لم يرف لها جفن وهي تلغي حلقة لهذا الفنان الوطني الرائع، بل وتأمر بمنعه من دخول مبنى التلفزيون!
شعرت بالقهر الشديد وأنا أستمع من الصديق المبدع أحمد الزعبي، عن رؤيته الخاصة لحجم معاناة الفنانين الأردنيين، وتجربته معهم في هذه المسرحية، كيف أنّهم يبذلون أقصى الجهود لخلق البسمة على وجوه المشاهدين، بأقل الإمكانيات المالية، وهم يعانون من إهمال الدولة للمسرح، وبلا أي دعم حقيقي من أي طرف رسمي.
ربما يكون الأردن الدولة الوحيدة في العالم التي تحارب المبدعين من أبنائها، حتى في دول دكتاتورية عربية أخرى، كان هنالك إدراك من المسؤولين لأهمية المسرح، ولو على سبيل التنفيس، مثل مسرحيات دريد لحام، ومحمد صبحي، أمّا نحن فلا توجد أي سياسة رسمية واضحة تجاه الفنانين والإعلاميين، بل إهمال وتجاهل كامل، فضلاً عن خضوع هذا المجال الحيوي الرائع لأمزجة مسؤولين وعقليات ثأرية لا تقيم أي احترام لقيمة الفنان وتتركه نهباً إما للإحباط أو المعاناة الشديدة دفاعاً عن رسالته!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد