في حديثه مع النقابات (أول من أمس)، قلب رئيس الوزراء الخطاب الرسمي رأساً على عقب. فقد انتقد إبعاد قادة حركة حماس، معتبراً أنّه "قرار غير دستوري"، وخطّأ السياسات التي استهدفت الحركة الإسلامية خلال السنوات الماضية، معتبراً أنّها كانت ظالمة.
والمفاجآة الكبرى كانت بوصفه عمليات الخصخصة السابقة بـ"نهب المال العام"، وتعهده بإطلاق سراح السجناء السياسيين (على الأغلب المقصود هم الإسلاميون، فلا يوجد غيرهم!). وتحدّث عن الخلل في عمل هيئة مكافحة الفساد، وعن البذخ الحكومي، بالإضافة إلى تراجعه عن إعادة فتح المادة الدستورية 74 (حول منع رئيس الوزراء الذي ينسّب بحل البرلمان من تشكيل الحكومة التالية).
بدوره، وزير الإعلام راكان المجالي، تحدّث (مع العرب اليوم) عن المادة 23 من قانون هيئة مكافحة الفساد، معتبراً أنّها فضيحة وجريمة، وأنه سيعمل على عدم تمريرها. وهو موقف واضح ومتقدّم على خطاب المعارضة نفسها.
إذن، نحن ما نزال مع "شلال" متدفق من التصريحات ورسائل "حسن النية" من الرئيس ووزير الإعلام، يمكن قراءتها بزوايا مختلفة ومتعددة، لكن الزاوية الأكثر تأثيراً في الشارع أنّها جميعاً تحمل نقداً سافراً أو مبطّناً، متساوقاً مع نبض الشارع، لجملة من السياسات الرسمية، وهو خطاب –بلا شك- جريء ومطلوب، يخلق "مناخاً إيجابياً" لدى الجميع، وينزع الإحباط الذي يسود الشارع، ويشتبك مع "أزمة الثقة" المتجذّرة بين الدولة والقوى السياسية المختلفة.
في المقابل، فإنّ مشكلة الخطاب الحالي للحكومة أنّ أغلبه متمركز في العاصمة وفي حدود السجالات السياسية الراهنة في الإعلام، وهو –بالضرورة- مؤشّر جيّد، لكن على أن يسير بالتوازي مع الإنصات لصوت شارع آخر (في المحافظات) متحرّك ونشط وفاعل.
أمس، أكّد وزير الداخلية الجديد محمد الرعود، أنّ هنالك توجيهات للحكام الإداريين ببدء حوار مع الحراك في المحافظات. وهو توجه بحاجة إلى إعادة نظر، إذ إنّ المستوى المطلوب من الحوار يتجاوز الحكام الإداريين إلى رئيس الوزراء والوزراء، فخطاب هذا الحراك ليس مناطقياً، بل هو سياسي بامتياز، ويصب في المحصلة نحو تغييرات بنيوية في المعادلة السياسية.
إلى الآن، لم يستمع المسؤولون إلى "حراك الشباب" في المحافظات، بل دخلت الدولة في صدام معه، واكتفت بتسخيفه وتسطيحه، وهو ما فاقم المشكلة وعزّز من الغضب والاحتقان.
تحتاج الحكومة إلى إعادة قراءة هذا الحراك وأبعاده بصورة عميقة تتجاوز عمليات "رصد" أرقام المتظاهرين، أو التعامل مع "الوصفات الجاهزة" الفاشلة التي نسمعها من المسؤولين، إلى وضعه في سياقه الموضوعي الحقيقي، أي التحولات المفصلية الجديدة في العلاقة بين أبناء العشائر والمحافظات والدولة. وهي تحولات -اقتصادية وسياسية- تؤذن بنهاية الحقبة التاريخية السابقة المبنية على العلاقة الزبائنية والرعوية، التي تقوم على توفير الوظائف في القطاع العام وسياسات الاسترضاء مقابل صور من الولاء الخاطئ، بل والمضرّ بالصورة الصحية المطلوبة لعلاقة الدولة بالمجتمع والأفراد.
اليوم، لدينا "صوت جديد" مختلف تماماً يخرج من المحافظات ومن أبناء العشائر، يبدي تمرده وغضبه على السياسات الرسمية الفاشلة التي أوصلته إلى حالة البؤس الحالية. وهو صوت بقدر ما يمثّل تحديّاً غير تقليدي للحكومة، فإنّه يمنحها فرصة تاريخية-استثنائية لتصحيح مسار العلاقة والتواصل مع "جيل جديد" يساعد على تجديد صيغة التعاقد والعلاقة بين الدولة والمجتمع والأفراد، ما يسهّل مهمة الإصلاح على الجميع، ويمنح "خريطة الطريق" الرسمية مساحة من التوافق العام المطلوب حولها.
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد