لم تهدأ تلك التصريحات "المتضخّمة" التي يطلقها رئيس الوزراء ووزير الدولة لشؤون الإعلام، والتي تفيض بمنسوب ثقة هائل، لكن فيها قدرا أكبر بكثير مما نتوقعه أو مما هو مطلوب من الحكومة. والخشية أنّها تفصّل ثوباً أكبر بكثير من مقاسها!
وزير الإعلام لم ينتظر كثيراً حتى بدأ بروح قتالية واضحة، ليقول: أنا هنا، ومنسجمٌ مع أفكاري النقدية السابقة، ولن أنساها. فانطلق ينتقد البلطجة التي حدثت في سلحوب وساكب، وقبل ذلك رتّب لقاء مسؤولين من حماس مع الرئيس الجديد، ونُقل عنه نقدٌ شرس وقاس للأجهزة الأمنية، وتوعّد بتحرير الإعلام الرسمي من التدخلات الخارجية، وأعلن نيّة الحكومة فتح حوارات وطنية شاملة مع القوى والأحزاب السياسية.
أمّا رئيس الوزراء؛ فقد دخل -مباشرةً- على خط الملفات الساخنة، وبدأ يطرح رؤيته لقانون الانتخاب، وللتعديلات الدستورية، يُشرع في عقد صفقة مع الحركة الإسلامية وغيرها، فيما أصرّ على أن يكون له الدور الأكبر ونصيب الأسد في تشكيلة الحكومة، والتنسيب بأسماء القادمين والمغادرين لمجلس الأعيان، بعد أن أعلن على الملأ بأنّه حصل على "ضمانات بأن يمسك بسلطاته كاملة".
وأدلى الرئيس لمجلة نيوزويك الأميركية الشهيرة بتصريح لافت يقول فيه إنّه قبل بهذه المهمة بعد أن شعر "بأنّ الوضع يصبح خطيراً في البلاد.. شعرت أنني إن لم أقبل، فإنّ الوضع سيزداد خطورة"!
من الواضح أنّ الرئيس يأخذ هذه المهمة على محمل الجدّ بطموح كبير، وربما يصل إلى الاعتقاد بأنّه "المنقذ". وذلك شعور جميل، لكن على ألا يبالغ في المهمة والوعود أو رفع سقف التوقعات بما لا يستطيع تحمله لاحقاً، فينقلب المزاج العام بصورة شرسة ضده، وتتجذّر أكثر حالة الإحباط وخيبات الأمل، وهو ما حدث منذ اللحظة الأولى بـ"صفعة" التشكيلة الحكومية الهزيلة، التي لا تتناسب أبداً مع سقف خطاب الرجل وطموحه!
وبينما كان وزير الإعلام يطلق التصريحات النقدية والجريئة في حماية حرية التعبير وصونها، كان ناشطون من "حيّ الطفايلة" في عمان يُستدعون للأجهزة الرسمية، ويتم الضغط عليهم للتخلّي عن الحراك!
بالضرورة، ذلك لا يعني أنّنا نطلب من الرئيس ألا يدافع عن سلطاته وولايته، لكن ما نريده هو التوازن بين التصريحات والمواقف من جهة، والتحرك بذكاء ودراسة المسارات جيّداً، حتى لا يقع في "حقول الألغام" مبكّراً، وقد شارف على ذلك فعلاً!
ففي الجمعة الثانية، مباشرةً، صعدت وتيرة الاعتصامات والمسيرات في مختلف محافظات المملكة، وبسقوف مرتفعة أيضاً، وهو ما يعني أنّ رهان "دوائر القرار" على إسكات المحافظات والعشائر بـ"سياسات" الاسترضاء، في تشكيلة الحكومة والأعيان، قد أتى أُكل فشله مبكّراً، وأثبت أنّ هنالك "أزمة" حقيقية ما تزال إلى الآن في قدرة المسؤولين على قراءة الحراك السياسي الجديد!
"حقل الألغام" الثاني الذي ينتظر الرئيس هو مجلس النواب، إذ لا يبدو "المزاج النيابي" اليوم إيجابياً على الإطلاق تجاه الرجل، بخاصة بعدما تسرّب من تصريحات ومواقف حول التعديلات الدستورية وقانون الانتخاب، تشي باستهتار بالمجلس، ما دفع بنواب إلى المسارعة في إعلان حجب الثقة، وآخرين إلى توعّد الرئيس بما لا يتوقعه من المجلس، إذ شعروا كأنّه ينظر إلى الثقة النيابية وكأنّها تحصيل حاصل!
ما نتمناه ألا نفتح عيوننا، بعد أيام قليلة، فنرى "المنقذ" ينتظر الإنقاذ والمدد من "مؤسسات الظل"، بعد أن غرق في مسار أصعب بكثير من المسار المفترض لإنجاح مهمة عبور المرحلة الانتقالية، وهي لا تحتاج إلى اختراع العجلة، بل إلى ذكاء ونوايا صادقة ومصداقية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد