ما كسر موجة التفاؤل بالانتقال من التخبط إلى مسار محدد واضح منضبط في الإصلاح السياسي تلك التشكيلة غير المقنعة التي أتى بها الرئيس الجديد، وأغلبها من اختياره الشخصي، والتسريبات التي خرجت من لقاءاته حول رؤيته لـ"سقف الإصلاح" المطلوب، قبل أن يعود الملك –مرّة أخرى- أمس في خطاب العرش ليعيد كسر شوكة الإحباط وشحذ روح التفاؤل.
فخلال الأشهر الماضية "تكثفت" التدخلات الملكية لإعادة توجيه المسار وتحديد البوصلة، منذ إقالة حكومة سمير الرفاعي، وحتى إرهاصات تشكيل حكومة عون الخصاونة. إذ قام الملك باتخاذ قرارات حاسمة، بتغيير رئيس الوزراء ومدير المخابرات العامة ورئيس الديوان الملكي، وتوجيه رسائل غير مسبوقة، كرسالته لمدير المخابرات العامة، بعد أن أمضى ساعات طويلة (قبل ذلك) بالاستماع إلى نخب سياسية من مختلف الشرائح والفئات، بما في ذلك المحسوبة على المعارضة.
من يتمعن في خطاب الملك، تحت قبة البرلمان، سيجد فيه نقاشاً ضمنياً مع القوى السياسية والمعارضة والحراك الشعبي. وقد استخدم جملاً واضحة ومحدّدة وصارمة في تعريف ملامح المرحلة المقبلة، وتحديداً أهداف الإصلاح السياسي المطلوب، قاطعاً الطريق على الشكوك المشروعة والهواجس المبررة لدى المعارضة جراء التخبط الرسمي والرسائل المتضاربة التي هيمنت على المناخ السياسي خلال المرحلة الماضية.
لم يبق الملك شكوكا حول أهداف الإصلاح السياسي، بعد أن حدّدها بالوصول إلى حكومة نيابية، وتعهد بتعزيز "الركن النيابي" في نظام الحكم (وهو مطلب واضح في خطاب المعارضة)، وتوازن السلطات واستكمال العدالة.
كان الملك أكثر وضوحاً عندما تعهّد بأنه ستتم مشاورة البرلمان في تشكيل الحكومات بدءاً من المجلس القادم، إلى حين نضج الأحزاب وقدرتها على تشكيل حكومات حزبية. فهو "التزام أدبي"- تاريخي من الملك شخصياً، ورسالة واضحة للقوى السياسية حول المادة الدستورية المتعلقة بتشكيل الحكومات، إذ طالبت بأن تكون حكومات أغلبية نيابية، وإلى حين ذلك أكد الملك على مبدأ "مشاورة البرلمان".
الرسالة الثانية، تتمثل في تأكيد الملك أنّ البنية التشريعية الجديدة، التي تمثّل أرضية الإصلاح السياسي، ليست نهاية المطاف، بل هي قابلة للإنضاج مستقبلاً. وتلك ضمانة أخرى للقوى السياسية بإمكانية تطوير التعديلات الدستورية والتشريعات المختلفة، مستقبلاً، بعد الانتخابات البلدية والنيابية وإعادة تشكيل المعادلة السياسية في العام المقبل.
الرسالة الثالثة، كفالة الملك لحق التعبير السلمي. وقد شدّد على ضرورة "التعامل الحضاري" مع هذا الحق؛ الاحتجاج والمسيرات. بل وتجاوز ذلك عندما تحدّث عن "ضرورة الاستفادة من الدروس وتجنب الأخطاء"، وهو جواب على غضب المعارضة والقوى السياسية من "ظاهرة البلطجة"، التي أساءت للدولة والمجتمع والوطن، وبعثت بـ"رسائل متضاربة" حول "نوايا" الدولة الحقيقية.
لم يترك الخطاب حتى هاجس النخب والمعارضة بأن ما يحدث يهدف إلى "تقطيع الوقت" وشرائه، فقد نفى ذلك بوضوح، مؤكّداً أنّ الهدف هو الإصلاح المتراكم التدرجي السلمي، وأنه يشترك مع النخب السياسية في روم ديمقراطية ناضجة، من دون أن ندفع ثمن ما دفعته المجتمعات العربية الأخرى من كلفة باهظة.
ثمة رسائل أخرى عديدة في السياق نفسه، حول العدالة وتوزيع مكتسبات التنمية بين المحافظات ومحاربة الفساد، ونحن بانتظار أن تتم ترجمة ذلك عبر السلطة التنفيذية، لإنهاء الحالة الرمادية الحالية وفجوة الثقة المتنامية مع الشارع.
التحدي الحقيقي أمام الحكومة هو تحويل هذا المضمون إلى واقع عملي في خطابها ورسائلها السياسية ورسم السياسات ووضع التشريعات، إلى حين عبور هذه "المرحلة الانتقالية"، لتحقيق ذلك، فإن المطلوب مزيد من الحوارات الملكية مع الأطياف المختلفة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد