ربما تكون ميزة رئيس الوزراء الجديد د. عون الخصاونة في أنّه لا توجد "صورة نمطية" مسبقة عنه، لا سلباً –كما هي حال أغلب رؤساء الوزراء السابقين- ولا إيجاباً، فهو سيبدأ بصفحة بيضاء يرسم صورته بنفسه.
شرط النجاح الأساسي أن يدرك الرئيس الجديد أنّه يعبر بالبلاد في لحظة انتقالية مهمته محدّدة تماماً فيها، وتتمثل في إعادة فتح القنوات المغلقة مع الشارع والقوى السياسية المختلفة، بدءاً من مشاورات التشكيل وصولاً إلى التحضير للانتخابات البلدية وإعادة رسم الطريق الصحيحة إليها، وإعداد قانون انتخاب توافقي، وتشريعات مرتبطة بالانتخابات النيابية، كالهيئة المستقلة، والتنسيب بالانتخابات المبكرة، قبل الاستقالة.
هي، إذن، لحظة تاريخية قصيرة، لكنها مفصلية، إمّا أن تسجّل اسم الرجل بصورة معتبرة، وإمّا أن ينضم إلى قائمة الفاشلين ممن سبقوه في تولي مواقع مهمة في البلاد!
التغييرات التي طالت الحكومة ودائرة المخابرات العامة بالتزامن، وربما تمتد لاحقاً إلى مؤسسات أخرى، هي بحد ذاتها رسالة مقصودة وواضحة، وإعلان ضمني عن انزعاج "مطبخ القرار" من المسار الحالي، الذي وصلت إليه خريطة الطريق، بخاصة في الأيام الأخيرة.
الفوضى التي ضربت شرعية الانتخابات البلدية بالصميم، مع إعلان الإخوان المقاطعة، والتخبط الحكومي السافر في التعامل مع هذا الملف المفصلي، وارتفاع السقوف غير المسبوق في المسيرات والحراك مع انسداد قنوات الحوار بين الدولة والشارع، من ثم "رسالة النواب"، جميعها مؤشرات وإشارات كانت تؤكّد بوضوح أنّ المسار الحالي أقرب إلى المغامرة!
كثّف الملك من لقاءاته بنخب سياسية "خارج الحلقة التقليدية"، وأمضى جلسات استماع طويلة خلال الأيام الماضية، فوصل إلى قناعة بعد ذلك بضرورة التغيير الشامل، لإنقاذ خريطة الطريق الرسمية.
الآن، الوصفة التي وضعها "مطبخ القرار" أمام الرئيس الجديد واضحة تماماً. فمطلوب منه أن يخرج في إطار مشاوراته من حيّز النخب التقليدية إلى القوى السياسية في الشارع. وهنالك رغبة رسمية بمشاركة إخوانية فاعلة في الحكومة الجديدة، ربما لم تنضج طبختها بعد، لكن الحرص على الانفتاح على الجماعة، ومن خلال مؤسسة الديوان، هو مؤشر آخر على إعادة النظر في المسار الحالي.
نجاح هذه "الاستدارة الرسمية" مرتبط أيضاً بتولي سفيرنا في المغرب واللواء المتقاعد، فيصل الشوبكي، إدارة المخابرات العامة. إذ تشير معلومات مؤكّدة أنّ أولويته تكمن في إحداث تطوير وقفزة في عمل الجهاز المهم والحساس للتكيّف مع المرحلة الجديدة التي يفترض أن تختلف في طبيعتها وشروطها عن المراحل السابقة، وبالضرورة لا بد أن تختلف معها المهمات الأمنية والسياسية.
في السنوات القليلة الماضية كان هناك انطباع شعبي عام بوجود فجوة واضحة بين المنظور الأمني والسياسي، بخاصة في التعاطي مع المتغيرات الجديدة وثورة الربيع الديمقراطي العربي، واستحقاقات ذلك داخلياً، اجتماعياً وسياسياً.
في الآونة الأخيرة بات واضحاً أنّ الإصلاح الأمني شرط نجاح للإصلاح السياسي، وأنّ المطلوب ترسيم معادلة جديدة من خارج الصندوق التقليدي تتأسس على القبول بالمتغيرات الكبيرة التي حصلت في الشارع والمجتمع كأمر واقع، لا كحدث استثنائي، نعود بعدها للمعادلة التقليدية التي انتهت صلاحيتها تماماً.
تعوّدنا دائماً أن نتفاءل قليلاً مع أي تغيير بالأشخاص على أمل تغيّر المقاربات والعقليات، ثم ننتكس، فهل نملك أن نتفاءل أكثر هذه المرّة؟.. الأيام بيننا!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد