يبدأ مجلس الأمن النظر في طلب الرئيس الفلسطيني بعضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة. وهو طلب بالرغم أنّه محكوم عليه مسبقاً، بأنّه إذا نجح في الحصول على تسعة أصوات سيواجه في نهاية اليوم "الفيتو" الأميركي، لكنّه -في الوقت نفسه- إيذان بتطورات ممكنة تراجيدية.
المهم هو ماذا لدى الأطراف في اليوم التالي؟ هل سيتم الهروب إلى الأمام عبر مبادرة فرنسا شراءً للوقت؟ وإذا أصرّ الفلسطينيون على موقفهم، فما هي البدائل والخيارات الفلسطينية؟ وما هي التصورات الإسرائيلية بعد رد نتنياهو المتعجرف؟
من حقّ الشعب الفلسطيني أن يقابل خطاب عباس بالفرح والفخر، ذلك أنّه استعاد معه شعوره بالقضية وعدالتها، وبهويته الوطنية بعد أن استنزف الصراع الفلسطيني الداخلي والمفاوضات العبثية الخطاب الفلسطيني خلال السنوات الماضية على حساب محاولة اجتراح استراتيجيات نضالية جديدة للدفاع عن الحقوق الفلسطينية المشروعة.
الآن، لحظة الحقيقة بدت بلا غيوم ولا ضبابية، والسلطة الفلسطينية التي قامت على أوسلو وصلت إلى قناعة كاملة بأنّ موازين القوى الحالية والمسار القائم للتسوية والموقف الأميركي كل ذلك بمثابة مسار خاطئ، لن يأتي بنتائج، فكان اللجوء إلى المجتمع الدولي، وهو -بالضرورة- قضية رمزية في أحسن الأحوال، ولن يحصّل الفلسطينيون من ذلك شيئاً.
إذن، الوضع القائم حالياً، برغم ما يقدّمه من مزايا الاستقرار السياسي والأمني لكل من الكيان الصهيوني والفلسطينيين لم يعدّ مريحاً ولا يحمل آفاقاً شرعية للأمل والطموح الفلسطيني، وهو بالنسبة للإسرائيليين، أيضاً، سيكون مقلقاً، لأنّه لا يقدّم "ضمانات" استراتيجية للأمن الإسرائيلي.
بالنتيجة، فإنّ كل طرف الآن سيفكّر في سيناريوهات المرحلة المقبلة وخياراته المتاحة في كل حالة، وهو ما على السلطة الفلسطينية أن تبادر إليه فوراً، وأن تملك الجرأة لخطوات حقيقية باتجاه استعادة الحلم الفلسطيني وتدشين مرحلة جديدة من النضال الوطني، وإلاّ فإنّ عليها أن تنتظر رحمة الإسرائيليين وما يفكّرون به وفرضه على أرض الواقع. السلطة الفلسطينية، في صيغتها الراهنة وسياقها الموضوعي، قائمة على المساعدات الغربية والأميركية، مالياً ولوجستياً، وبغير ذلك، فلن تكون قادرة على الحياة، مع عدم الرهان على الطرف العربي بحال من الأحوال، ما يعني أنّها اليوم تواجه "الانتحار" فيما لو تمرّدت على "شروط اللعبة" الدولية والإقليمية، وإعادة البناء وفق شروط مختلفة. لكن إذا كان هذا هو الأفق الوحيد في الخيارات المتاحة، فلم لا؟!
الشرط الرئيس لنجاح أي خطوات فلسطينية وصمودها يتمثّل بتوحيد الضفة وغزة، فتح وحماس، فاستمرار الانقسام والانشطار الحالي يمنع من التفكير بأي مشروع وطني قادر على مواجهة المرحلة المقبلة. ما يساعد على طي صفحة الانقسام هو أنّ الشروط الإقليمية التي حولت المنطقة إلى معسكرات سياسية متصارعة (الممانعة والاعتدال) التي كانت تدفع باتجاه الاستقطاب والصراع الداخلي الفلسطيني وتجذّره، قد انتهت عملياً، ورهاناتها تلاشت.
حماس، اليوم، ليست في وضع أفضل كثيراً من السلطة، فقد دخلت في شقاق ونزاع مع حلفائها الداعمين، سورية وإيران، على خلفية الثورة السورية. وفي المقابل، فإنّ الرهان على الموقف الأميركي، لدى فتح والسلطة، انكشف أمام الجميع، ولم يعد أمام القوى الفلسطينية إذا أرادت -حقاً- الخروج من اللحظة الراهنة الخطرة، سوى التفكير في صيغة توافقية، ولو في الحدّ الأدنى، ومحاولة ردم الفجوة العميقة من الشك والريبة التي ولّدتها السنوات الماضية.
أردنياً، ونحن مرتبطون استراتيجياً وأمنياً وسياسياً، وفي ملف اللاجئين، بالوضع في الأراضي المحتلة، تتمثل لحظة الحقيقة بضرورة التفكير بمقاربة وطنية أخرى، تحمي أمننا وأمن الفلسطينيين ومصالحنا المشتركة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد