ليس المصريون وحدهم من حبسوا أنفاسهم ينتظرون نتائج جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة المصرية، بل معهم ملايين العرب والمسلمين. فنتيجة الانتخابات ودلالاتها الرمزية والسياسية والتاريخية تتجاوز مصر إلى الشعوب العربية بأسرها؛ فمصر ليست كأيّ دولة، هي روح الشرق، وقوتها الناعمة تتجاوز حدودها إلى المنطقة العربية بأسرها!
من كان يصدّق أنّ قادة الإخوان المسلمين، الذين أمضوا أغلب أوقاتهم في السجون والمعتقلات في محاكمات وهمية، وأغلبهم من أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والمحامين، سيأتي يوم ليحكموا مصر، ليس عبر انقلاب أو دبابة، بل صندوق الاقتراع! ومن كان يصدّق أن يفرض الشعب إرادته حتى اللحظة الأخيرة، مجتمعاً بمئات الألوف في الميادين، الذين وقفوا وقفة واحدة ضد انقلاب العسكر، وحالوا بهذا المشهد الشعبي الرائع دون تغيير نتيجة الانتخابات!
ما حدث في جولة الإعادة في الانتخابات المصرية بحد ذاته انقلاب تاريخي في المنطقة العربية والثقافة السياسية، هو "تسونامي" جديد ستكون له انعكاساته وتداعياته على الروح المعنوية للشعوب العربية، التي سيمنحها هذا النجاح طاقة نشاط وعمل جديدة وفاعلة لاستكمال المهمة التاريخية نحو أنظمة ديمقراطية تعددية تعاقدية، العنوان فيها المواطنة ودولة القانون والشفافية.
بعد هذا الإنجاز، على قادة الإخوان الذين كادوا أن يطيحوا بالثورة بأخطائهم وخطاياهم، وحساباتهم التنظيمية الضيقة والمحدودة، أن يدركوا حجم التحدي الكبير، وأن يفهموا جيّداً أنّ المعركة لم تنته، ولولا وقوف مختلف القوى السياسية والشعبية معهم، لكانوا فريسة سهلة للعسكر، ولنجحت المؤسسة العسكرية في تكرار سيناريو الجزائر 1992.
ما نأمله أن تعيد الجماعة قراءة المشهد وفقاً للحسابات الوطنية، لتدمج القوى المختلفة في مشروع بناء الديمقراطية المصرية، لمواجهة المحاولات المتكررة الدؤوبة لضرب الثورة، ولإبقاء الزخم الشعبي بمثابة الضمانة الأساسية لردع الانقلاب العسكري وقوى الدولة العميقة من استغلال أي أخطاء تقع في المرحلة الدقيقة القادمة.
المفتاح الذي يمتلكه الإخوان اليوم هو بناء شراكة حقيقية من خلال تنويع مساعدي الرئيس، وحكومة إنقاذ وطنية متعددة الألوان، وصولاً إلى تحجيم نفوذ المؤسسة العسكرية والتأكيد على القواسم المشتركة بين الجميع؛ والتأكيد على مدنية الدولة واحترام الحريات العامة وحقوق الإنسان، لتقشع الخشية من قلوب المسيحيين والعلمانيين، والمتخوفين من وصول الجماعة إلى الحكم.
أردنياً؛ ربما تبدو ملاحظة د.مروان المعشّر صحيحة في أنّنا نسير بالاتجاه المعاكس نحو التصلب، بعد فوز الإسلاميين في الانتخابات العربية. وربما ستعزّز الانتخابات المصرية ذلك. وهو يذكّرنا بما حدث مع فوز "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية العام 2006، والتي تلاها تزوير الانتخابات النيابية في العام 2007، تحت وطأة الخوف من "انفتاح شهية الإسلاميين على الحكم".
الوقت تأخر كثيراً، فاتنا القطار، وكنا نتمنى أن تظهر هذه النتائج قبل إقرار مجلس الأمة لقانون الانتخاب. إلاّ أنّ الأمل اليوم أن يكون هنالك في "مطبخ القرار" من يقرأ المشهد المصري في سياق تاريخي أوسع من القراءة الرسمية الحالية، وينعكس ذلك إدراكاً جديداً أنّنا بحاجة إلى غربلة فرضياتنا الخاطئة التي قامت على أساس أنّ الربيع العربي مجرد وهم. فهل سنصحح قبل أن تتضاعف الكلفة أم ننتظر حتى ندفع ثمناً غالياً؟!
ما أثبتته نتيجة الإعادة -بعد اللغط الكبير والتأخير والغموض- أنّ الزمن القادم هو عقد جديد؛ كتاب مختلف نقرأ منه اليوم جميعاً في الطريق إلى التحرر والحرية والديمقراطية الحقيقية، لا الصورية المزيفة والمزورة التي انتهت صلاحيتها في الكون، إلاّ عند الشعوب العربية، التي باتت في الأعوام الأخيرة في ذيل القائمة الديمقراطية بعد دول العالم بأسره!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد