قد تبدو مفارقة تاريخية ان نكتب عن وعد نابليون في ذكرى مولد بلفور، لكن القواسم التاريخية والاستعمارية المشتركة بين الوعدين تبرر ذلك، بل تعيد كلا الوعدين الى الجذر ذاته.. ووعد نابليون لليهود في إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين وعلى حساب أهلها تم الكشف عنه في صحيفة مونيتور يونيفرسال 1799 ، وبالتحديد في الثاني والعشرين من ايار، وخلاصته ان الامبراطور نشر بياناً دعا فيه جميع اليهود في آسيا وافريقيا للقدوم لاستعادة القدس، وفي بيان نابليون ايضاً كما أورده البروفيسور بشارة خضر ونقله عنه جورج طرابيشي في مجلة أبواب العدد السادس والعشرون، خاطب اليهود قائلاً يا ورثة فلسطين الشرعيين.
ان الجيش الذي لا يقهر والذي شاءت العناية الإلهية ان توصلني واياه الى هذه الأماكن، قد جعل من القدس مقر قيادتي العامة وسينقله قريباً الى دمشق التي لن تعود بعد الآن تشكل تهديداً لليهود ولمدينة داوود
|
اننا مضطرون الآن ولاكثر من سبب أن نعود قليلاً الى الوراء ليس فقط لأن اليوم يشبه البارحة، بل لأن الثابت الامبريالي شبه الوحيد قدر تعلقه بفلسطين هو السعي الحثيث نحو تهويدها، وما سمعناه من الرئيس الفرنسي الجديد وهو يستقبل نتنياهو ويصطحبه الى طولوز لا يختلف عما نسمعه من لندن وواشنطن الا باللغة التي ما ان تترجم حتى تصبح خطاباً سياسياً واحداً.
وعبارة ورثة فلسطين الشرعيين التي أطلقها نابليون وهو يخاطب اليهود وردت في كل الوعود الاوروبية والامريكية خلال قرنين، وان كان القرن العشرون كما وصفه أحد أبرز مؤرخيه هو قرن اليهود بامتياز، ليس فقط لأن الدولة أعلنت في نهاية نصفه الاول، بل لأن المنجز الامبريالي استثمر صهيونياً وكأن الحرب العالمية الثانية كانت بمثابة هدية استعمارية الى اليهود، والمثير في خطاب نابليون بالفعل هو تلك العبارة التي قال فيها ان دمشق لن تعود بعد الآن خطراً على مدينة داوود |
وما يحزننا اضافة الى هذا الدم النازف عربيا وبايدي العرب انفسهم والذي تحول الى انتحار قومي هو الاستغراق في اللحظة الراهنة وكأنها منقطعة الجذور عما مضى، فالمطلوب على ما يبدو منا ان نغسل ذاكرتنا بايدينا وان نصدق بان من اعاقوا تقدمنا وسعوا الى تجهيلنا وامتصوا نخاعنا واعدمونا بالجملة هم الذين يريدون تحريرنا والحاقنا بالعصرّ، رغم ان من عيرونا على الدوام بالتخلف وعدم استحقاق ثرواتنا ومواقعنا الجغرافية، هم الذين حولوا هذا التخلف الى مناجم لصالح اقتصادهم مثلما حولونا الى رهائن لا تجد من يفتديها.
ان موسوعة البرفسور بشارة خضر التي تحدث عنها جورج طرابيشي باسهاب، لا تعني عربا يصابون بضيق التنفس اذا قرأوا صفحة واحدة من كتاب، خصوصا اذا لم تكن هذه الصفحة في باب النميمة او تملق الغرائز او السخرية الماسوشية من الذات.
تتعاقب امبراطوريات وادارات ورؤساء واحزاب من واشنطن الى باريس مرورا بلندن، التي لم تكن ذات يوم الا مربط خيول اليهود، وما لا يتبدل هو اعادة اتباع الوعود لورثة فلسطين الشرعيين كما سماهم بونابرت وهم اليهود فقط |
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور
login |