أربعة أعوام تفصل بين عدوانيين على غزة تغير خلالها الكثير في هذه المنطقة، لكن الثابت الوحيد هو موقف البيت الأبيض بمعزل عن ساكنه سواء كان أبيض اللون أو أسمر.. فاسرائيل كما تقول واشنطن من حقها ان تدافع عن نفسها، لهذا يبدو المشهد مثيراً عندما يعقد نتنياهو عدة اجتماعات وزارية مصغرة، ويلتقي الجنرالات في غرف العمليات، ويستدعي الاحتياطي من الجيش الاسرائيلي على مرحلتين، الأولى قوامها ثلاثون ألفاً والثانية خمسة وسبعون ألفاً، وكأن الدولة العبرية تعد لحرب ضد دولة مدججة بكل أنواع السلاح.
وهذا الاستعراض المفرط للقوة له دلالة واحدة فقط هي الاحساس بالرعب، لأن من تشكلت لديهم سايكولوجيا النصر الدائم قد ينتهون الى ضحايا لهذا الوهم، وقدر التاريخ أن تبقى ثنائية العدوان والصدّ قائمة وفي صلب جدليته لكي لا يتوقف، وهي ثنائية قد تكتسي أشكالاً عديدة ويضيف اليها التطور التكنولوجي الكثير، لكنها تبقى من حيث الدوافع والجوهر عند شكلها البدائي الأول، فالصاروخ والقبة الحديدية هما في نهاية المطاف السيف والدرع.
لقد طوّر الاحتلال تقنياته كلها باستثناء واحدة، ليس بمقدوره ان يزحزحها قيد أنملة، وهي ان المقاومة لها ثقافتها وفلسفتها في تطوير أدواتها.
الحرب الأولى على غزة تزامنت مع أوضاع اقليمية ودولية مغايرة تماماً لما هو الوضع الآن، خصوصاً وان النظم الجديدة بعد الحراك الواسع في عدد من العواصم العربية بدأت تشعر بأنها مطالبة بمواقف سياسية متقدمة عن سابقاتها، وبغير ذلك يكون اليوم شبيهاً بالبارحة وكأن شيئاً لم يحدث، والعزلة التي عاشتها غزة في الحرب السابقة، بدت الآن كما لو أنها تكسر من عدة زوايا، والزيارات التي يقوم بها رئيس وزراء ووزراء خارجية من مصر وتونس، تبقى رغم أهميتها من الناحية النفسية لأهل غزة مثاراً لأسئلة عديدة حول فاعليتها وجدواها الميدانية بعيداً عن المظاهر البروتوكولية.
وما عانته غزة طيلة هذه الأعوام العجاف حصاراً وعزلة وتجويعاً وتوتيراً بلغ حداً يتجاوز القدرة على الاحتمال والتأقلم، وما تحاول اسرائيل استثماره الآن هو حالة الانقسام المزمنة بين التوأمين اللدودين فتح وحماس، وما صدر حتى الآن عن الطرفين من تصريحات حول ضرورة الالتئام الوطني يبدو تكراراً لما تردد مراراً من قبل، وبقي عصياً على الترجمة الواقعية، وما ينافس مشاهد القصف والدم في غزة الآن وفي هذه الحرب، هو ما يحدث في العالم العربي من حروب أهلية وشبه أهلية، ويكاد العربي الممزق والتائه بين هذه المشاهد أن يردد ما قاله المتنبي.. على أي جانبيك تميلُ..
الثابت الآخر اضافة الى موقف واشنطن المنحاز الى اسرائيل في كل الأحوال هو إرادة الصمود لدى الفلسطيني أينما كان.. فهو إذ يطور أدوات مقاومته برشاقة انما يدافع عن حقه في البقاء على قيد وطنه وتاريخه وترابه
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور
login |