على النقيض مما يتناقله بعض المحللين والإعلاميين عن وجود توجه بأن تكون الحكومة المقبلة "ذات طابع أمني"، بذريعة حماية الانتخابات القادمة ومواجهة الانفلات الأمني والظروف الإقليمية، فإنّ ما أتوقعه هو أنّها ستكون ذات طابع سياسي، ومنفتحة على التيارات المختلفة، وستذهب باتجاه تهدئة المشهد الداخلي، ونزع فتيل الاحتقان الذي خلّفته الأشهر الماضية، وإن لم يكن باستطاعتها تغيير المناخ السياسي تماماً وإنهاء مقاطعة المعارضة.
لماذا؟..
رغم الاختلاف ولغة التشكيك المتبادلة، والتصعيد الأخير، فليس من مصلحة الدولة أو جماعة الإخوان المسلمين أو أحزاب المعارضة التقليدية الوصول إلى لحظة المواجهة وتجاوز رسائل التهديد الشديدة إلى كسر الحلقة الحالية، التي تضع قيوداً شديدة على سيناريو الصدام والمواجهة. فضمن الحسابات المركّبة للاعبين السياسيين -حكومة ومعارضة- هذا الخيار مستبعد تماماً، ربما يحدث مع قوى اجتماعية غير منظمة فقط!
الدولة، من جهتها، تواجه اليوم أزمة اقتصادية خانقة، تزيد من حالة الاحتقان الداخلية، وتحثّ الخطى إلى الانتخابات، لتسليم ملف إدارة الأزمة لحكومة ذات ثقل نيابي، ما يبعد المؤسسات الحيوية عن مواجهة مباشرة مع الشارع المحتقن، ويدفع بالكرة الملتهبة إلى أروقة حكومات تأتي بصورة مختلفة عن الطريقة التقليدية. فقانون المطبوعات والنشر، والاعتقالات الأخيرة، والتصعيد الإعلامي والسياسي مع جماعة الإخوان وما شاكلها من خطوات، بمثابة "ذروة التصعيد الرسمي" في محاولة لـ"فرملة الاندفاعات" لدى الحراك والمعارضة، واستثمار "الحد الأقصى" لحكومة فايز الطراونة التي أحرقت سفنها (منذ اللحظة الأولى) مع المعارضة، لإنجاز خطوات كبرى، غير شعبية، كانت الحكومات السابقة متخوفة من الإقدام عليها. فيما بقيت قضية الموازنة ورفع الدعم عن السلع لحل الأزمة المالية، تنتظر الفرصة السياسية المواتية، بعد إيعاز الملك بتجميد قرار رفع الأسعار، والذي جاء كخطوة مترتبة على الاتفاقية الموقعة مع صندوق النقد الدولي، للحصول على دفعة جديدة من القرض.
على الطرف الآخر، بالرغم من إعلان "الإخوان" عن "المجلس الأعلى للإصلاح"، والتصعيد في قضية رفع الأسعار، والتحضير لمسيرة جماهيرية كبيرة، فإنّهم يدركون أنّ "معطيات الشارع" ومحدودية الحراك الشعبي لا تساعدان على المضي خطوات أكبر في التصعيد مع الدولة، والوصول إلى حدود الصدام السياسي، لفرملة مسار الانتخابات. الرهان الإخواني يكمن في أنّ مشاركة الجماعة هي ما يعطي الانتخابات زخماً سياسياً، ويخلق أفقاً جديداً، قد يدفع بالشريحة الاجتماعية العريضة في المدن إلى الخروج من حالة الاستنكاف، ويمنح البرلمان القادم والحكومات التالية قاعدة شعبية متينة، والعكس صحيح؛ فبقاء الإخوان في الشارع سيكون عامل إضعاف كبير للانتخابات.
في إطار هذه المعادلة-المعضلة، تبدو العلاقة الشائكة اليوم بين الدولة والجماعة؛ فبالرغم من فشل الحوار ووصوله إلى طريق مسدودة، فإنّ الدولة تحتاج إلى الجماعة في اللعبة السياسية، والجماعة تحتاج إلى العودة إلى البرلمان، إذ إنّ البقاء في الشارع -ضمن المعطيات الراهنة- لن يؤدي إلى تغييرات حقيقية. وفي الوقت نفسه، فإنّ الجماعة لا تستطيع الوصول إلى تغيير سقف حراكها والانجرار إلى الصدام، والعكس صحيح بالنسبة للدولة، فسيربط كلا الطرفين رهاناتهما بالأزمة الاقتصادية، وستكون الأنظار متجهة إلى منسوب الاحتقان الاجتماعي في ظل الأزمة الاقتصادية، وما يمكن أن ينتج عنه.
المفارقة تبدو اليوم أنّ الطريق تكاد تكون مغلقة على المسارين في آن واحد؛ المشاركة والمواجهة! فموضوعياً، الحكومة والجماعة ستسعيان إلى الوقوف عند خطّ "التصعيد" وعدم تجاوزه، ما يدفع إلى أن تكون الحكومة القادمة ذات نزوع انفتاحي لتهدئة الشارع وتهيئة الأجواء للانتخابات، ونزع فتيل الاحتقان، ما يجعل كلا من الدولة والجماعة تنتظران على الشجرة، لكن بدون سلّم، بعد أن عجزتا عن الوصول إلى تفاهمات عبر الحوار والوساطات!

المراجع

الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد