في مقالته المطوّلة في "الغد"، يقدّم رئيس الوزراء الأسبق د. معروف البخيت، إطاراً منهجياً معمّقاً لمفهوم الحكومة النيابية وتجاربها التاريخية في الأردن، ثم الصيغ الممكنة ضمن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المحلي.
في الخلاصة؛ يصل البخيت إلى أنّ الشرط الرئيس للحكومة النيابية هو "نزاهة الانتخابات"، عبر وجود مجلس نواب يمثّل الشعب تمثيلاً صحيحاً وليس مزوّراً، فتكون الحكومة البرلمانية هي تلك التي تحظى بثقة هذا المجلس.
ولأنّ "البنية الحزبية" في البلاد ضعيفة، فإنّ الرهان على وجود حزب أغلبية أو تحالف أحزاب يبدو غير منطقي في الانتخابات القادمة، لذلك فإن البديل -وفقاً للبخيت- هو خطوتان إضافيتان؛ الأولى أن يشاور الملك الكتل النيابية في اختيار رئيس الوزراء، والثانية أن يشاور رئيس الوزراء المكلّف الكتل لاختيار الوزراء. ويرى البخيت (وهذا هو توجه مطبخ القرار) ألا يكون الوزراء من النواب، بل ترشّح الكتل النيابية الأسماء المقترحة من خارج قبة البرلمان.
بالفعل، ضمن المعطيات الحالية، فإنّ هذا هو "السقف" الممكن للحكومة النيابية. لكن، هل يمثّل ذلك بالفعل تحوّلاً حقيقياً في آليات تشكيل الحكومات، لتكون أكثر قرباً من الشارع، ومن تطوير العملية الديمقراطية في البلاد؟!
إذا دقّقنا النظر في هذا السيناريو، فإنّه يواجه معضلات أساسية، في مقدمتها أنّ الكتل النيابية لن تكون ذات خلفية سياسية أو حزبية، بل ستعتمد على قاعدة "المصالح الشخصية"، وهو ما يجعلها هشّة، هلامية، بلا لون حقيقي، في ظل غياب الطابع السياسي والحزبي المتين عن المجلس القادم، وهو ما يعني مزيداً من التعقيدات في اختيار الحكومات بدون معنى حقيقي؛ فهي تعقيدات شكلية، لا تغير من واقع المعادلة بصورة بنيوية، ولا تعيد تأسيس العلاقة السياسية على قواعد جديدة مقنعة للناس.
صحيح أنّ هنالك غياباً لقوى حزبية متعددة، ما يمثّل بحد ذاته عائقاً أمام شروط تشكّل الحكومة النيابية، إلاّ أنّه صحيح -أيضاً- أنّ المشكلة اليوم تكمن في الدوائر الصغيرة (الحقوق المكتسبة) بحد ذاتها، والتي تشكل عائقاً كبيراً أمام (أولاً) تغيير نوعية النواب الذين يصلون إلى القبة، ما يمنح جانباً سياسياً أكبر للبرلمان، ويساعد على تشكل كتل نيابية أكثر صلابة وذات طابع سياسي، و(ثانياً) أمام قدرة الأحزاب والشخصيات الوطنية على تشكيل قوائم على مستوى المحافظات، موازية للقائمة الوطنية، تسمح بولادة تكتلات كبيرة متنافسة.
اعتماد القائمة الوطنية في قانون الانتخاب يحسّن المدخلات، لكنه لا يكفي في تهيئة الظروف لولادة الحكومة النيابية بصورتها الموضوعية، كما هي في باقي دول العالم، إذ إنّ الدوائر الصغيرة تقتل أي مجال لتطوير ذلك، بل وتعزّز من الواقع القائم الخاطئ، ومن الصيغة الحالية لمجالس النواب.
في المحصلة، أخشى أنّ النتيجة ستكون تشويه صورة الحكومة النيابية ذاتها، وإفراغها من مضمونها وجدواها ووظيفتها؛ فمخرجات الانتخابات لا تتناسب مع التحول المطلوب في هذه المرحلة.
العصف الفكري الحالي حول الحكومة النيابية يساعدنا كثيراً في محاولة تمثّل هذه السيناريوهات، وإدراك أين هي الثغرات وحجم الخلل، وكيف يمكن الاستدراك قبل أن نجد أنفسنا أمام تعقيدات جديدة في أزمة سياسية مركّبة في الأصل!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد