تشير التقديرات والتسريبات إلى أنّ شخصية رئيس الوزراء القادم ستكون ذات نزوع توافقي وإصلاحي. والهدف من ذلك –بالضرورة- ترميم المشهد الداخلي بعد حكومة فايز الطراونة، وتخفيف التصعيد بين الدولة والمعارضة، وتهدئة الشارع واحتواء حالة الاحتقان الداخلية، وتعزيز رسالة الدولة بأنّ الانتخابات المقبلة ستكون نزيهة.
المعضلة التي تواجه الرئيس الجديد أنّه سيجد نفسه أمام طريق بمسربٍ واحد، بلا إشارات خروج تمنحه قدراً معقولاً من المناورة السياسية لإعادة الإخوان والقوى السياسية المقاطعة إلى حلبة الانتخابات، إلاّ إذا تمّ اللجوء إلى "حلول استثنائية" غير تقليدية؛ وهو ما لا يفكّر فيه "مطبخ القرار" اليوم –على الأقل.
بعد حل مجلس النواب، بدأ العدّ التنازلي للأشهر الأربعة التي تفصل الحل عن الانتخابات المقبلة، وفق الدستور؛ فخلالها يجب إجراء الانتخابات، وإذا تمّ تأجيلها فسيعود مجلس النواب السابق، وهو سيناريو غير مطروح على طاولة "مطبخ القرار".
في أوساط الحركة الإسلامية من يتحدث اليوم عن إمكانية إطلاق الجماعة لمبادرة سياسية، تتضمن الدعوة إلى إجراء تعديل على قانون الانتخاب، وحزمة من المطالب الإصلاحية، مثل إطلاق سراح المعتقلين وضمانات لنزاهة الانتخابات، لتغيير موقف الحركة وحلفائها، مثل الجبهة الوطنية للإصلاح.
كانت هذه المبادرة ستكون مفيدة وإيجابية لو تمّ الإعلان عنها خلال الأسابيع القليلة الماضية، أو حتى لو قبلت الحركة مبدئياً بعرض رئيس الوزراء الأسبق، فيصل الفايز؛ إذ كان هنالك مجال مناورة أكبر للتعامل معها، أمّا اليوم بعد حل المجلس وبدء العد التنازلي، فيبدو الأمر أكثر تعقيداً وإرباكاً!
المخرج الوحيد الذي يراه السياسيون يتمثّل في المادة 94 من الدستور؛ في التعامل مع القوانين المؤقتة، وذلك بأن تصدر المحكمة الدستورية فتوى بأنّ الأوضاع السياسية الحالية في البلاد أقرب إلى حالة الطوارئ التي تتيح للسلطة التنفيذية إصدار قوانين مؤقتة في ظل غياب البرلمان، ما يسمح بتعديل قانون الانتخاب، وفق التوافق الجديد. وهو سيناريو لا يحظى إلى الآن بالقبول لدى "مطبخ القرار".
ما أوصلنا إلى الوضع الراهن هو أخطاء متبادلة في التقدير والحسابات لدى كلّ من المطبخ الرسمي وجماعة الإخوان على السواء. وثمة فرص متعددة ضيِّعت من الطرفين. ولا نستطيع القول اليوم إنّ هنالك رابحا وخاسرا مما يجري، إنّما هنالك بعبارة أكثر دقّة، حساب لمن هو أقل خسائر من الطرف الآخر!
مع ذلك، يظل مرغوباً إطلاق الحركة الإسلامية لمبادرتها، على أن تحرص على تقديم حلول واقعية ومنطقية، مثل القبول بالضمانات الملكية الثلاث التي قدّمها الملك خلال خطاباته الأخيرة؛ بأنّ التعديلات الدستورية ليست نهاية المطاف، وبأنّ قانون الانتخاب الحالي ليس نهاية المطاف، وبحكومة برلمانية بعد الانتخابات والتزام بمشاورة الكتل النيابية.
بالضرورة، من المفيد جداً أن تتضمن المبادرة الموافقة على إضافة صوت آخر للناخب على مستوى المحافظة؛ فيضاف الصوت الثاني لما يحصل عليه المرشحون على مستوى الدوائر، ولا تقتصر على إضافة 12 مقعداً للمحافظات. وأن تتضمن المبادرة المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وعدم تحويل أي سياسي إلى محكمة أمن الدولة، والالتزام بحماية الحريات العامة.
وبالرغم من صعوبة الموقف وتعقيده؛ تبدو مبادرة الحركة في حال قدمت جديرة بالدراسة من قبل صانع القرار، نظرا إلى النتائج الإيجابية الكبرى التي ستتحقق من القبول بمثل هذه المبادرة لإنقاذ الوضع السياسي الراهن، داخلياً وإقليمياً، وهو -بالمناسبة- بالفعل أقرب إلى حالة الطوارئ، والمصلحة الوطنية العليا تدفع إلى تصليب الجبهة الداخلية والعكس صحيح، فإغلاق الباب لا يخدم أحداً!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد