ظاهرة إحراق البطاقات الانتخابية أو التلويح بذلك انتقلت من المقاطعين والمحتجين والحراك الشعبي إلى النائب السابق،يحيى السعود، الذي عُرِف في المرحلة الماضية بوصفه "رأس الحربة" في تأييد السياسات الرسمية بخطابات نارية، والحشد والتجييش ضد المسيرات المعارضة، بل والدخول في مشادّات مع زملائه النواب تحت القبة، وصلت إلى حدّ التهجّم على بعضهم.
السياق، بالضرورة يختلف، فـ"شباب الحراك" قاموا بإحراق البطاقات بدعوى الإحباط من مسار العملية الإصلاحية، أمّا السعود فاستخدم التلويح بحرق البطاقات في حال قامت حكومة النسور برفع أسعار الكهرباء، وهو استعراض إعلامي يُقرأ - سياسياً- في سياق المناكفة مع حكومة النسور، بصورة خاصة رئيسها، ومعه وزير التنمية السياسية بسّام حدادين، الذي اتهمه السعود بأنّه نجح في أغلب الدورات البرلمانية السابقة بالتزوير!
ليس هذا بيت القصيد، فما يمثّل بحق بؤرة السجال السياسي والإعلامي والقانوني هي تلك الصورة التي طغت على أحاديث السياسيين ومشاغلهم وهزّت المسؤولين تماماً بالأمس وكانت بمثابة ضربة قاسية للخطاب الرسمي، وتتمثّل في رزم البطاقات الانتخابية على الطاولة أمامه في المؤتمر الصحفي، وقدّرها هو نفسه بما يزيد على 8 آلاف بطاقة انتخابية، وهي مخالفة معلنة وسافرة وصريحة لنزاهة الانتخابات في أعين أغلب المراقبين والمواطنين.
هذا المشهد، الذي استمر لأقل من 15 دقيقة فقط (على المواقع الالكترونية وموقع اليوتيوب) إن لم تكن هنالك خطوات واضحة وقانونية صريحة من الهيئة المستقلة في مواجهته، فإنّه ينسف جهوداً مكثّفة إدارية وسياسية وإعلامية قامت بها الدولة والهيئة المستقلة للانتخابات للتأكيد على نزاهة الانتخابات القادمة، ويعيد طرح التساؤلات حول قدرة الدولة على إجراء انتخابات نظيفة!
التسريبات الرسمية تتحدّث عن انزعاج شديد من كبار المسؤولين وتفكير جدّي ووشيك في الخطوات المطلوبة والإجراءات العملية التي يمكن اتخاذها لتوجيه رسالة معاكسة تماماً للانطباعات الخطرة التي ولّدتها تجارب الانتخابات السابقة وعزّزتها رسالة السعود! فجمع البطاقات بحدّ ذاته، وفقاً لخبراء القانون والانتخاب، يحمل شبهات ضد النزاهة وحرية التصويت وسريّته، والتلويح بحرقها بهذه الصورة من قبل شخص واحد، فيه استقواء على الدولة. وتتباين الاجتهادات في الأروقة الرسمية ما بين التحقيق مع السعود من قبل الهيئة المستقلة للانتخاب أو تحويله للمدّعي العام ليباشر التحقيق معه ومع من سلّموه بطاقاتهم الانتخابية، وهو السيناريو الأرجح.
ما حدث بمثابة أحد أكبر الاختبارات الصريحة، التي تواجهها الهيئة المستقلة للانتخابات، فهي اليوم على المحك، بخاصة أنّ وتيرة الحديث خلال الأسابيع الماضية ارتفعت كثيراً حول المال الانتخابي- الأسود، حتى قبل البدء بفتح باب الترشّح للانتخابات، وحول قيام نواب بتجميع البطاقات الانتخابية بخلاف القانون والمبادئ البديهية للنزاهة ومفهوم التصويت ذاته، الذي يقوم على الانتخاب الفردي الحرّ والسرّي.
ثمة أسماء معروفة أخرى يشار إليها بوضوح اليوم عند الحديث عن المال الانتخابي وانتهاك نزاهة الانتخابات، تستهتر بكل ما يصدر عن الدولة من وعود بانتخابات نظيفة ونزيهة وبمنع محاولات التزوير بصورها المتعددة، من شراء الأصوات وتجميعها والتدخل الرسمي في الانتخابات، فإذا بقيت هذه الأسماء خارج دائرة المساءلة تتصرّف بحرية، فإنّ كل ما تمّ تحقيقه من تشريعات ومؤسسات، وعمل متواصل قامت به الهيئة المستقلة، سيذهب أدراج الرياح سدى، لكن الأهم من هذا وذاك أنّ مصداقية الدولة نفسها ستتلقى ضربة قاسية أخرى، وهي كما يعرف المسؤولون لم تعد تحتمل ندوباً أخرى، وهي مصابة أصلاً بأمراض مزمنة قاتلة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد