لو قارنّا خطاب رئيس الوزراء د. عبدالله النسور، وسلوكه السياسي (خلال أقل من ثلاثة أشهر فقط من تكليفه بتشكيل الحكومة) مع غيره من رؤساء الوزراء الذين جاؤوا إلى الموقع خلال السنوات الماضية، فسيبدو من أفضل هذه الشخصيات على الإطلاق، ومن رجال الدولة المعدودين الذين أثبتوا كفاءة عالية وحنكة سياسية، ومن أكثرهم جرأة وواقعية في الوقت نفسه!
ما منع الرئيس أن يُحدث فرقاً جوهرياً وحقيقياً في المسارات السياسية والاقتصادية، هي الظروف والشروط الصارمة التي حجّمت قدرته على تحقيق اختراقات سياسية وتغيير الدفّة. وربما هذا ما دفع ببعض السياسيين المخضرمين إلى القول بأنّنا لو أجرينا تبادلاً بين فترته وفترة الطراونة، فجاء النسور أولاً، لكانت المخرجات والنتائج النوعية مختلفة تماماً، ولربما كنّا أمام مشهد مختلف بصورة كبيرة عمّا نراه حالياً!
صحيح أنّ النسور وعون خصاونة يشتركان بتوجهاتهما الإصلاحية، إلاّ أنّ ما يميز الخصاونة أنه رجل مبدئي، فيما النسور براغماتي وواقعي، ويمتلك قدرة على توسيع مساحة المناورة السياسية إلى أقصى مدى ممكن، بما يحقق توازنات ما بين القوى الإصلاحية الصاعدة التي تنشد التغيير وبين قوى "الأمر الواقع" التي تصر على مقاومة أي إصلاحات جوهرية، وتتمسّك بقراءتها التقليدية للواقع السياسي الراهن.
لم يستطع النسور أن يغيّر نوعياً في المسار السياسي؛ فالشروط الدستورية لم تكن تسمح بهامش حقيقي للمناورة، والمخارج المطروحة كانت هشّة، فضلاً عن أنّ النسور نفسه من الصنف السياسي الذي يصون النص الدستوري، ويخشى من ليّ عنقه لتحقيق مآرب سياسية، حتى لو كانت إصلاحية. فعندما قبل بالموقع والمسؤولية، أدرك أنّ ما يمكن له تقديمه للمعارضة لا يرقى إلى الحدّ الأدنى من مطالبها، لكنّه لم يكمل "الحرب" التي بدأها سلفه، وقدّم خطاباً تصالحياً معها، وأطلق سراح معتقلي الدوار الرابع، ثم ساهم في إطلاق سراح موجات أخرى من المعتقلين، بخاصة بعد أحداث (13تشرين الثاني).
لماذا وافق الرجل على أن يضع نفسه، أمام الرأي العام، في نموذج من التناقض والازدواجية؟ هذا التساؤل يمثّل "العُقدة" في مناقشة وتقييم حكومته. ولست (هنا) بصدد التبرير، وإنّما التفسير. فخصومه وأقرانه من السياسيين يرون أنّ السبب -حصرياً- يكمن في رغبته التاريخية الدفينة في أنّ يصبح في يوم من الأيام رئيساً للوزراء، بل وشعوره بالظلم مقارنةً بغيره من الرؤساء الأقل شأناً وخبرة وكفاءة منه، بينما بقي هو على هامش الحياة السياسية قرابة 15 عاماً!
وإذا ابتعدنا عن هذا التفسير السايكولوجي؛ فربما يقف وراء ذلك أنّ النسور يمثّل "نموذجاً خاصاً" من السياسيين الأردنيين؛ فهو لم يطرح نفسه في أي وقت من الأوقات بوصفه زعيماً معارضاً، كما هي حال أحمد عبيدات مثلاً؛ وليس من "النموذج المحافظ"، كما هي حال سلفه فايز الطراونة وشريحة واسعة من رؤساء الوزراء السابقين؛ وحتى عندما كان يقف ضد سياسات رسمية، ويتجاور مع القوى المعارضة، فإنه كان ينطلق من التزامه بالخطوط العامة للنظام والدولة، ويكون أقرب إلى "رجل الدولة" منه إلى رجل المعارضة.
حتى اقتصادياً، ومع اتخاذه قرار رفع الأسعار غير الشعبي؛ فإن رئيس الوزراء ضمن المعطيات التي كانت أمامه، وما يطرحه هو من خطاب اقتصادي ليبرالي، كان منسجماً مع نفسه، ولم يتوارَ ويختفِ وراء إحالة الأمر إلى قرارات عليا، بل أصرّ على تحمل مسؤولية القرار، وأشار بوضوح إلى أنّه خالف بذلك "النصيحة الأمنية"، ومضى إلى النهاية، ولم يتراجع.
اتفقنا أم اختلفنا مع الرجل، ومع السياسات الرسمية، فإنّ الموضوعية تقتضي الإشارة إلى أنه ضمن المدخلات الصارمة التي قبل بها، قدّم أفضل المخرجات الممكنة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد