ليس هناك من يزعم بانه يخترع المستقبل واقصى ما يدعيه العرافون وقراء الطوالع هو التنبؤ بما سيحدث وغالبا يكذبون كالعراف المكسيكي الذي استمد شهرته من توقعاته التي تبقى في مطلع كل عام جديد تعيش في خياله فقط.
لكن هناك من يخترعون الماضي او التاريخ وقد تشمل هذه الصناعة اختراع شعوب كما قال شلومو ساريد في كتابه عن اختراع الشعب اليهودي، او ما كتبه يهودي اخر بعنوان صناعة الهولوكوست.
اختراع الماضي يمارسه من يؤلفون المذكرات حين يعيدون انتاج طفولتهم وفق ما يرغبون وقد دهشت ذات يوم حين عرفت ان عصاميا ثريا اشترى ساعات قديمة وبعض المقتنيات يقول بانه ورثهاعن ابيه رغم ان وفاءه لعصاميته كان يتطلب منه ان يعترف بالحقيقة وبالتالي يظفر بتقدير الاخرين، وهناك صحفي مرموق من اهل زماننا بدأ عامل مطبعة وظل يوقع تحت اسمه بانه عامل مطبعة حتى بعد ان اصبح مشهورا.
واحيانا افكر في طفولة الطغاة من جنرالات وساسة، فهي بالتأكيد جذر الداء والبلاء لكن من يتزلفون اليهم يخترعون لهم طفولات ملائكية، ويزيفون نشأتهم.
خطر ببالي هذا كله وسواه ايضا عندما شاهدت امرأة تقتاد طفلا في العاشرة او اقل في سوق احدى العواصم العربية،وعندما مر بهما بائع حلوى نصفها مغطى بالذباب، بدأ الطفل يبكي والام تزجره وتشده بعيدا عن البائع، وحين واصل الصراخ قالت له.. ساشتري لك قطعة واحدة شرط ألا تقول لاخوتك عندما نصل الى البيت.
تخيلوا معي لو اصبح هذا الطفل مديرا عاما في دائرة، او ضابطا في جيش او شرطيا لحماية الامن او رئيسا لجمهورية. كيف سيعامل الاخرين؟ وهو الذي تربى على ان تكون رشوته قطعة حلوى كي يخدع اخوته ويكذب عليهم.
وقد يكون ذلك الطفل مسكينا ومتواضعا اذا قورن بمن قبلته امه وربتت على كتفيه لانه سرق ممحاة او قلم رصاص من زميله في المدرسة، او استطاع ان يخدع بائعا ضعيف البصر بانه اعطاه قرشا واحدا بدلا عشرة او ورقة من الشارع بدلا من الدينار.
الانحرافات السايكولوجية لا تبدأ بعد الاربعين، بحيث يكون النقش في الحجر ليس علما بل مهارة في الكذب والسرقة وشهادة الزور.
وما يقوله علماء النفس والاجتماع عن الشعوب التي تستحق ما تفرزه من مجرمين او قضاة بالغ الدقة، وثمة ما يبرهن على صدقيته يوميا وعلى مدار الساعة.
ان نبش المكونات الاولى للبشر ومعرفة اساليب تربيتهم هو الحجر الكاشف عن الذهب الحقيقي والقصدير المطلي، لكن كيف يمكن للناس ان يخترقوا مجلدات التزوير واعادة انتاج الماضي واختراع التواريخ؟
والارجح ان من ظلموا شعوبهم واحتكروا السلطات والثروات ونكلوا بخصومهم لانهم لم يسبحوا بحمدهم هم اطفال تورطوا بتربويات عشوائية، فالسارق منهم كوفئ والصادق عوقب ومن عقد صفقة مع امه – ان كانت حقا امه - ليخفي عن اخوته انه ظفر بقطعة حلوى يشاركه فيها الذباب لا ينتظر منه ان يكون عادلا وعفيفا وصادقا.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور