للمرة الثانية اجد من الضروري الاشارة الى قضية قد يراها البعض عادية لكنها ممارسة تثير الاستفزاز ونراها في بعض مؤسساتنا الرسمية والفنادق والمطاعم، وهي ممارسة توجد ربطا بين اللباس البدوي التراثي ومهنة صب القهوة وفتح ابواب سيارات الضيوف والزبائن، وربما ما اعاد التذكير بهذا الامر ما شاهدته قبل ايام في رئاسة الوزراء حين كان من يقدم القهوة والشاي يلبس هذا اللباس الوطني الجميل، وكأن هذه الممارسات تضع ربطا في عقل الزائر والضيف والاطفال والناس ان هذا اللباس مخصص لهذه المهنة.
العيب ليس في المهنة؛ فهي عمل شريف، ولمن يمارسه كل الاحترام والتقدير، لكن المشكلة في تحويل اللباس البدوي الوطني الى زي رسمي لمهنة "السفرجي"، طبعا النوايا حسنة وبداياتها تريد القول ان القهوة جزء من عادات البدو الجميلة، وان تقديمها من قبل البدوي او من يلبس هذا اللباس يعني انها قهوة متقنة، لكن توارث استخدام اللباس صنع مفهوما آخر وهو أنّ أصحاب هذا اللباس هم الواقفون على ابواب الفنادق يفتحون ابواب السيارات او يصبون القهوة في المطاعم، وينتظرون ان تمتد اليهم ايدي الزبائن بدينار او نصف دينار (بقشيش).
يأتي ضيوف عرب وأجانب فضلا عن الزوار من الاردنيين إلى مؤسسات رسمية، فلماذا نزرع في الاذهان (بحسن نية) صورة نمطية لدى الضيوف بأنّ اللباس البدوي التراثي الوطني تربط بينه وبين اهله وبين مهنة معينة. لهذا فعلى المؤسسات الرسمية ان تشتري لموظفيها الذين يقومون على تقديم الضيافة للزوار بدلات فاخرة او تجلب لهم اي لباس مهني، لكن لتترك اللباس البدوي، فلم يصنع لصب القهوة او حمل صينية الشاي مع الاحترام والتقدير لكل المهن وأهلها.
ولو كان هذا اللباس اندثر لقلنا أنّ استعماله لغايات التذكير به. لكنه لباس ما زالت عشائر وعائلات كثيرة موجودة تلبسه، وهنالك قوات البادية احدى وحدات الامن العام وهي قوات تضم رجالا كراما من ابناء الاردن، ممن قدموا ويقدمون لوطنهم. اي ان اللباس لم يتحول الى تاريخ او تراث بل هو حاضر يلبسه اهله وتلبسه قطاعات رسمية هامة، لهذا ليس من حق اي جهة أو المطاعم والفنادق ان تحوله الى لباس لمهنة مرتبطة بخدمة الزبائن وصب القهوة.
البدوي كريم في بيته ويصب القهوة لضيفه، وهو جزء اصيل من المجتمع الاردني، والبدو هم عماد الدولة ورجالاتها، ووجود قوات البادية كان عنوانا لوحدات ذات انتماء صادق وشدة وقوة، لكن ان يتم استغلال هذا اللباس بهذه الطريقة المستفزة فهذا امر يفترض ان يتوقف، وليقدم الشاي والقهوة لضيوف الحكومة شباب يلبسون بدلات ايطالية، وليفتح الابواب في الفنادق من يشاء، لكن هذا اللباس الوطني ليس رمزا لمهنة ايا كانت بل رمز اجتماعي.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة