مات صدام حسين وهو أسير تحت سلطة الاحتلال الأميركي الصهيوني المتحالف مع الثورة الفارسية الصفوية. مات صدام وكسبت القضية العراقية الكثير. فحتى خصوم النظام السابق انخفضت اصواتهم وهم يرون أن ما جرى ليس قضاء وعدالة، بل ثأر فارسي طائفي. مات صدام، لكنّ هنالك خاسرين من كل ما جرى.
أول الخاسرين وأكثرهم دولة الثورة الايرانية المزعومة. ولعل تقارير سفارات الدولة الفارسية الى حكومتها تتضمن وقائع تؤكد خسارة ايران لساحات عربية كثيرة، والأهم انكشاف الوجه الحقيقي لطهران التي أصبحت في نظر جماهير عربية كبيرة عنوانا من عناوين العدوان على الأمة، وهي الشريك الكامل للمخطط الصهيوني الأميركي الذي قوض الدولة العراقية، وجعلها تقع تحت الاحتلال والتدمير.
ايران خسرت لأن عقود التضليل التي مارستها وصلت الى مراحل متأخرة. وقد أحسنت قوى نقابية وسياسية اردنية عندما طالبت بابعاد السفير الايراني من عمان، ووضع الدولة الفارسية على القائمة السوداء التي تضم اسرائيل واميركا. فايران مارست بحق الأمة ما مارسته اسرائيل وأميركا، والعراق قضية كبرى واضحة جلية. ولو مارست ايران ما مارسته دول عديدة عربية عندما صمتت على العدوان، لكان اخف الضرر، لكنها شريك كامل، ودم كل عراقي يسقط هو في رقبة آيات طهران والصهاينة وتجار السلاح والنفط في واشنطن وتل ابيب! احسن هؤلاء الاردنيون لانهم قطعوا مسافة كبيرة نحو امتلاك الوعي بالخطر الفارسي.
نعم، ايران على القائمة السوداء، والتطبيع معها في مرتبة التطبيع مع اعداء الأمة. وعلى الذين مايزالون مخدوعين بشعارات طهران أن يرفعوا الغشاوة عن عيونهم. فمن يشارك في تدمير العراق واحتلاله لا يمكن ان يكون صادقا في شعارات يكتبها على الجدران في طهران. وعلى قادة الفرس ان يتوقفوا عن خداعنا بما يسمى يوم القدس الذي يجري الاحتفال به في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، لأن من يشارك في احتلال بغداد وتسليمها للصهاينة والاميركيين لن يقدم شيئا للقدس. وبدلاً من يوم التضليل الايراني، ليكن هنالك يوم بغداد؛ تتحدث فيه الامة عن اعدائها الذين دمروا بغداد والبصرة والفلوجة والأنبار، وليس كما يتحدث الفرس في يوم القدس عن اقوال ائمة دولتهم وخطاباتهم عن القدس. ولسنا معنيين بحديث يتلاشى امام سقوط العراق واحتلاله وتحريم مقاومته، بل نحن معنيون بالعدوان على المقاومة النظيفة، وممارسة القتل الطائفي من السافاك الثوري المسمى الحرس الثوري.
وحتى الملايين التي تدفعها ايران لبعض الفصائل الفلسطينية هي ليست اكثر من شراء نفوذ، وزيادة اوراق طهران الاقليمية. ولعل الانتهازية الفارسية ترى فيها شراء ذمم، وليس دعما لقضية مقدسة، او لشعب تحت الاحتلال الصهيوني؛ إذ كيف يقلق من الاحتلال الصهيوني من دخل ويدخل حتى اليوم في تحالف مع اميركا والمخطط الصهيوني على حساب ارض عربية مسلمة، وشعب عربي عراقي؟!
ربما على بعض القوى السياسية العربية ان تراجع مواقفها من طهران، وأن لا تغمض عيونها عن الدور الايراني الاستعماري الطائفي في العراقي، رضوخا لشعارات ايرانية شكلية. فالقضية ليست في صدام حسين او النظام السابق، بل هي العراق، الدولة والشعب والارض، وايران التي تمارس منذ سنوات ثأراً شعوبيا وطائفيا من الدولة العراقية العربية، لا يجوز ان تبقى تشعر ايضا انها تستغفل الجميع، وتخدع الناس بخطابات لقادتها، او احتفال سنوي بيوم القدس، يتحول الى دعاية للنظام الفارسي، او بضع ملايين لبعض الفصائل لتعزيز الدور الاقليمي.
ليرفع الجميع اصواتهم دفاعا عن عروبة العراق، وفي مواجهة حروب الثأر وتقويض الدولة والشراكة مع الاحتلال التي مارستها ايران. وحتى المشروع النووي الايراني هو ليس قضية عربية او اسلامية، بل جزء من اطماع ايران التوسعية، فهذا المشروع ليس لخدمة القضايا العربية والاسلامية، لأن من يتحالف مع "الشيطان الأكبر" في حرب ضد دولة عربية اسلامية يمكن ان يفعل أي شيء خدمة لمصالحه.
نعم، ايران تسير بسرعة نحو القائمة السوداء، وأكذوبة مساندة القضايا الاسلامية يجب ان تتوقف، إذ يُفترض ان لا نُلدغ من جحر مرتين. ولا حاجة إلى يوم القدس ووليمة الافطار، فالاولوية ليوم بغداد، ويوم الفلوجة والبصرة والانبار.
اذا كانت ايران اكثر المستفيدين من العدوان الاميركي على صعيد نفوذها، فان اعدام صدام وتداعياته جعلت ايران اكثر الخاسرين للناس والجمهور العربي. واذا كان لإيران جواسيس في الساحات العربية، فستجد في تقاريرهم الكثير من المواقف التي تشير الى ان الناس بدأوا بالتخلص من التضليل الفارسي، بانتظار ان تتوسع تلك الدائرة لتشمل بعض القوى السياسية.
اذا تعرضت ايران لضربة عسكرية من اميركا، بعد انتهاء زواج المصلحة بينهما، فان  الجماهير من العرب لن يتحالفوا مع اميركا، لكنهم لن يأسفوا على دولة خدعتهم ومارست انتهازية سياسية لم تمنعها من وضع يدها في ايدي الاحتلال الاميركي الصهيوني، ضد دولة عربية مسلمة، وأن تزرع، أيضا، عشرات الآلاف من أمنها وجيشها بوثائق مزورة لقتل الناس والعبث بالعراق، ثأراً وحقداً، ولتحويله الى ورقة في ايدي الدولة الصفوية الجديدة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة