خلال الثلجة الاخيرة قبيل العيد، ابدى وزير الداخلية احتجاجا على مناشدة العالقين او المحاصرين -او من تقطعت بهم السبل حسب تعبير الحكومة- لجلالة الملك، قائلا: علينا ان لا نزعج جلالة الملك بمثل هذه الامور، فهنالك -كما يقول- مؤسسات تعمل.
وهذا قول صحيح، لكن بشرط ان يقوم كل مسؤول بعمله. أما عندما تكثر اخطاء اي مسؤول او لا يؤدي واجبه، فإن هذا ما يزعج الملك. فالناس لو وجدوا من المسؤولين اتقانا لشكروهم، ولما اضطروا الى رفع الامر الى الملك.
والقضية ليست فيما جرى يوم الثلجة، رغم ان تلك الحادثة كانت أنموذجا سلبيا في اداء بعض الجهات؛ من داخلية او حكام اداريين او اشغال عامة ودفاع مدني... لكن الامر عام، ولاسيما أن الملك يتابع تفاصيل الأمور، وعلى تواصل مع كل دقائق حياة الاردنيين، ويعمل بطريقة عملية، ويتابع عمل المسؤولين وصوت الناس. ولهذا، فعلى من لا يريد ازعاج الملك أن يقوم بدوره، وأن يلتزم بضرورات القسم وامانة المسؤولية.
هنالك مبادرات ملكية كثيرة لرفع سوية الخدمات المقدمة وتقديم العون للناس. وهنالك مبادرات يتم اخراجها لأن الحكومات والمسؤولين لا يؤدون واجباتهم. فعندما يبادر الملك الى تقديم 32 ألف مدفأة للغرف الصفية، لتأمين التدفئة فيها في فصل الشتاء، فإن هذه مبادرة ملكية، لكنها ايضا سد لثغرة كان يجب ان تقوم بها الحكومات، ومنها الحكومة الحالية. وعندما قدم التلفزيون تقريرا حول المبادرة الملكية، التقى بطالبات في احدى المدارس الحكومية تحدثن عن البرد، وشاهد الناس صور الطالبات في غرف باردة، واصابعهن ترتجف من البرد، فلو ادى المسؤولون دورهم وواجباتهم، واحسوا ببرد الاطفال، وعرفوا ان الصفوف غرف مثل بيوتهم تحتاج الى تدفئة، لو فعلوا هذا لما دخلت الصوبات مدارس باردة في العام 2007، ولما تحدثنا الان عن خطة من ثلاث مراحل!
ومن يزعج الملك وما يزعجه ان يصل الى قرى ومناطق لم يدخلها مسؤول قبله، ولم يسمع اهل المسؤولية المباشرة معاناة أهلها ولم يقدروا فقرهم! ولا يكون الملك سعيدا او مرتاحا عندما يدخل قرية ويجدها محتاجة الى اساسيات الوجود، مع ان الاصل ان تكون الحكومات والمديرون هم الذين يقدمون الخدمة للناس، ويعانون معهم عبر ايجاد الحلول.
وما يزعج الملك ان يجلس الكبار، او ممثلو الناس، بين يديه يطلقون المديح والشعر والمجاملات، وينسون هموم ناسهم وابناء مناطقهم! او يكون ما يريده احدهم ليس مصالح من يمثل، بل الحصول على بعثة لابنه إلى اميركا، او غيرها من المصالح الخاصة، او لتأمين موقع له. فكم مرة طلب الملك من ممثلي الشعب تقديم افكار لمشاريع تخدم مناطقهم، وتعهد بتوفير التمويل، وكم كانت الاستجابة والحماس والقدرة لمثل هذه المبادرات!
ويزعج الملك ان يكون ضعف الوزير او المسؤول سببا في صناعة ازمات من احداث عادية بدلا من حلها! إذ تخيلوا غضب الناس في تلك الشتوة وما سمعناه منهم، عن طريق الاعلام او بشكل مباشر، في حق حاكم اداري يقصر، او وزارة اشغال آلياتها بلا ديزل، والجميع يعلم ان منخفضا عميقا قادم!
ما يزعج الملك ان يكون مضطرا إلى متابعة تفاصيل يفترض بالوزير او المدير ان يقوم بها، وان يتدخل لمصلحة الناس لأن من حملوا الالقاب والامتيازات يتعاملون بالشوكة والسكين مع هموم الناس وحاجاتهم.
معادلة سهلة لعدم ازعاج الملك وبعث الراحة في نفسه، وهي ان يقوم كل صاحب مسؤولية بأداء دوره، وان يفعل ما يفعله الملك، بدخول القرى والبوادي وبيوت الفقراء، ومتابعة تفاصيل معاناة الفقراء والمشاريع التي تحسن معيشة الناس. اما حديث التنظير وممارسة الانتماء عبر الانشاء، فهذا ما لا يرضي الملك، ولا يخدم الاردنيين.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة