لو أردنا استعراض اهم التغييرات التي جرت في العام 2006، ضمن بانوراما العام الماضي، فسيندرج ضمنها تغير القيمة الاجتماعية لبعض "الطبخات" و"الاطباق" التي يتناولها عامة الاردنيين، والتي كانت لا تحتاج الى تكلفة عالية، ويمكن ان تكون وجبة فاخرة للعائلة يوم الجمعة او لتكريم ضيف. فخلال العام الماضي حصلت تغييرات جوهرية على هذه "الطبخات"، وتحديدا في عهد الحكومة الحالية! ونقترح على مركز الدراسات الاستراتيجية ان يدخل بند هذه الطبخات عند اجراء اي استطلاع عن الوضع الاقتصادي او عن الحكومة.
فمقلوبة الزهرة (او الباذنجان) كانت تمثل طبقا دسما، وبتكلفة يقدر عليها الجميع، لكنها الآن امر مختلف. فكيلو الزهرة وصل الى 70 قرشا او اكثر؛ اي ان "راس الزهرة" الذي يكفي لطنجرة مقلوبة يحتاج الى دينار او اكثر. واذا اراد المواطن ان يكمل متطلبات الطبخة، فإنه يحتاج الى صحني سلطة، لكن سعر كيلو البندورة وصل بدوره الى حوالي 80 قرشا، ومثله الخيار. وصحنا سلطة يحتاجان الى نصف كيلو خيار ومثله بندورة (ورشّة ملح)، اي حوالي 70 قرشا. واذا اضفنا "الدجاجة"، أصبحت المقلوبة طبخة تحتاج الى تمويل اجنبي, او "تحويش" في حصالة!
وما ينطبق على الزهرة والبندورة والخيار ينطبق على كل الخضراوات. فحتى الملفوف الذي لا يحظى شعبية تذكر يباع الكيلو منه بأربعين قرشا، أي أن رأس الملفوف يحتاج الى اكثر من دينار ونصف الدينار! انها باختصار ثورة الخضراوات التي قيل انها مؤقتة، لكنها مازالت مرتفعة منذ اشهر طويلة. وأحيانا يقال انه الصقيع، ومرة قيل انها الحرب على لبنان، لكن من الواضح انها اسباب شكلية، وقد يكون التصدير والبحث عن ارباح كبيرة احد الاسباب.
من حق المزارع ان يجد سوقا وسعرا معقولا لمنتجاته، وعندما كانت الاسعار قليلة كان يشكو. لكننا نخشى ان الفائدة العائدة على المزارع قليلة، والمعاناة التي يعيشها الناس يحصد ثمنها الوسطاء والكبار!
قديما، والى اشهر، كانت قلاية البندورة طبخة شعبية. واذا اراد سياسي ان يشير الى تواضعه وقربه من الناس كان يتباهى انه يأكل القلاية. لكن القلاية، او "منزّلة البندورة والباذنجان" اصبحت طبخة برجوازية، فصحن المنزّلة يحتاج الى دينار، هذا اذا لم يكن يطبخ لعائلة. وقديما، كان كبار السن يدللون على التقشف بأن احدهم كان يأكل رغيف خبر وحبتي بندورة ورأس بصل، لكن هذا اصبح امرا مكلفا!
نحن لا نكتب مقالا ساخرا او لنتسلى، إنما مشكلة ارتفاع اسعار الخضار اصبحت قضية لدى عامة الناس. فإذا ذهب مواطن الى محل خضراوات واشترى حاجة بيته سيدفع 15 دينارا ثمنا لبضع كيلوغرامات من البندورة والبطاطا والخيار والزهرة والكوسا... فهل من المعقول ان تكون وجبة البطاطا المسلوقة او المقلية لأطفال عائلة تكلف 70 قرشا من البطاطا الخام. وهنا لا نتحدث عن الفواكه لأنها متطلب اختياري للناس، لكن هل من المعقول ان يصبح شراء البندورة والبصل والباذنجان مشكلة لرب الاسرة؟!
لا نريد ان يتردى وضع المزارع الى ما كان عليه الحال عندما كان يبيع "بكسة" البندورة بعشرين قرشا ويخسر فيها، لكننا أيضا لا نريد ان يكون ثمن "بكسة" البطاطا 6 دنانير، وكأنها بقلاوة او سيجار! ولا نريد للكوسا ان يرميها المزارع لأنه يخسر فيها ولا يريد زيادة خسارته بأجور النقل، لكن ليس ان يصبح كيلو الكوسا 70 او 80 قرشا! ولا نريد ان يكون ثمن التصدير للخارج عبئا على المواطن، فهنالك معادلات تحفظ التوازن.
ستقول الحكومة ان السوق حرة، وأن قانون العرض والطلب هو الذي يحكم الامر، لكن هذا المواطن مسؤول من الحكومة وعليها ان تحميه، وربما على رئيس الوزراء ان يداهم مجالس الاردنيين في المدن والقرى ليسمع الحديث المتكرر لدى الجميع عن اسعار الخضار والكاز! ونقترح على الحكومة ان تقوم بزيارة إلى مواطنيها؛ فالمسؤولون الذين يردون على فلتان الاسواق بعبارة حرية السوق عليهم ان يجدوا وسيلة لإقناع الناس بهذا المنطق، فنحن لسنا في نيويورك وباريس.
نطالب الحكومة في العام الجديد بالمحافظة على قدرتنا على طبخ المقلوبة وقلاية البندورة وصحن السلطة. وهذه ليست مطالب ساخرة، بل حديث واقعي. ولتضع الحكومة على اجندتها ابقاء طبخة الملفوف في متناول الناس. نحن لا نمزح، ومن لا يصدق فليدخل اي بيت من بيوت عامة الناس.
قديما كان يوصف الضيف المهم الوجيه بأنه "ضيف لحم"، لكن الآن يمكن ان يوصف هذا الضيف الهام بأن ضيف ملفوف او كوسا او زهرة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة