يتوزع منتقدو الحكومة ومعارضوها الان على ثلاث فئات. الاولى، تعارض الحكومة من حيث المبدأ، وهي قوى سياسية حزبية معروفة. وهناك مراكز قوى وشخصيات، بعضها في مواقع مؤثرة وبعضها الآخر في صالوناتها؛ وهذه الفئة ليست متأثرة بالسياسات او الاجراءات الخاطئة للحكومة، لكنهم يستعملون هذه الامور للتحريض على الحكومة والعمل على انهاء عمرها، علّهم يكونون بديلا. وهذا النوع من المعارضة متوفر لكل حكومة، واشخاصه الان معروفون، لهم امالهم ومنابرهم وصالوناتهم، وهي معارضة تمارس النميمة السياسية اكثر من العمل السياسي.
اما الفئة الثالثة، فهم الناس الذين لهم مآخذ وملاحظات وانتقادات على اي حكومة، ولهم تقويم لقدراتها في ادارة بعض القضايا وحل المشكلات. والناس لهم منابرهم واقلامهم ومجالسهم التي تستطيع الحكومة ان ترصد بعضها.
ومقياس نجاح اي حكومة هو الناس، ومدى قدرتها على خدمتهم والعمل بشكل سليم. اما مراكز القوى والشخصيات، او ما تسمى مفاصل الدولة، فلا يرضيها الا ان يكون احدهم هو الحكومة. وعندما تخلي مجموعة مكانها تشغلها مجموعة اخرى.
الحكومة الان في وضع صعب، وتواجه انتقادات من الناس، والسبب ليس انها لم تحرر فلسطين او العراق، بل لانها قدمت اداء ضعيفا في معالجة بعض القضايا، ولانها حكومة بطيئة، وما فعلته انها قدمت خدمة كبيرة لخصومها ومشاريع وراثتها. ولهذا، فان الرئيس معني بحل مشكلة حكومته واستعادة صورتها، وتفويت الفرصة على خصومها، والاهم ان تخدم الاردنيين. اما مسألة الرحيل والاقالة، فهذا امر لا يعلمه الا جلالة الملك.
ولو كان الرئيس صاحب حظ حسن، لأتيحت له الفرصة لاجراء تعديلين. الاول، تعديل على طريقته في ادارة الامور ومراجعة اسلوبه في ادارة الحكومة والقضايا، وان يكون مبادرا حاضرا ومفرقا بين ادارة الحكومة التي تستدعي قدرة ادارية، وبين ادراك الابعاد السياسية لكل قرار وتصريح. ولعل الرئيس معذور لانه لم يدخل اي حكومة الا حكومته التي جاء رئيسا لها، وفرق بين عمل ديبلوماسي مغلق الابواب، او دراسات او مفاوضات، وبين حكومة يحاسبها الناس على موقف سياسي خارجي، وينتقدها المواطن اذا تأخر الغاز عدة ايام.
اما التعديل الثاني، فهو على تركيبة حكومته التي اظهرت الايام انها تملك وزراء كفاءاتهم اقل من مواقعهم. وهذا التعديل فرصة قد لا تتوفر للرئيس، لانه ليس صاحب القرار في الحصول على هذه الفرصة، ولانه ايضا ضيّع قبل اقل من شهرين فرصة التعديل عندما كان تعديلا شكليا، زاد فيه عدد افراد حكومته بوزراء دولة، وغيّر وزراء في وزارات شكلية، مثل التنمية السياسية، واستبدل وزراء كانوا يقومون بواجبهم بآخرين ليس لديهم جديد، واخرج بعض الوزراء اضطرارا لحسابات الجغرافيا واسماء العائلات. وهكذا، اجرى الرئيس تعديلا، لكنه تجاوز مفاصل الحكومة في ادارة الملفات الهامة، على صعيد محاربة الفقر والتشغيل، والشؤون الداخلية.
هذه الحكومة مثل حكومات سابقة، متخمة بمديرين بمرتبة وزراء؛ اي تغيب القدرة السياسية، وربما احيانا الكفاءة الفنية. ولهذا، فالرئيس لديه مشكلة في طريقته في ادارة الامور، وفي فريقه الوزاري الذي يتحمل هو مسؤوليته عندما شكل الحكومة وعندما اجرى التعديل.
نحن الاردنيين لسنا معنيين بتغيير الحكومة؛ فليس للناس خصومة مع الحكومة، او طموح للمجيء مكانها. والتغيير لم يعد مدهشا، بل ان التجارب جعلت الناس يطلبون الرحمة، ويدعون للحكومة السابقة كلما جاءت حكومة جديدة. فالناس معنية اولا باداء افضل، وليس بتوسيع مساحة حملة ألقاب الدولة والمعالي.
لا ندري ان كانت الحكومة تملك وقتا وقدرة على اعادة ترتيب اوراقها، او ان كانت مقتنعة انها تحتاج الى ذلك، فربما لدى الحكومة قناعة بانها تؤدي واجباتها، وان الناس يظلمونها، وعندها قد لا يكون لكل الآراء الناقدة، وتحديدا من عامة الاردنيين، اي قيمة.
بقي القول ان الرئيس يمثل حسا وطنيا عاليا، واحساسا كبيرا بمعاناة الناس وفقرهم، فهو من طبقات الموظفين والعسكر، وليس لديه تاريخ سلبي او صورة سيئة في اذهان الناس، وهو ليس من نادي اصحاب الصفقات والعمولات؛ وهذا كله كان سلاحا هاما في يده لتقديم حكومة اكثر حضورا من غيرها. لكن هذه الصفات الايجابية كانت تحتاج ايضا الى فريق قوي، وقدرة على ادارة المشكلات، وعمل سياسي واداري اكثر انجازا واقل اخطاء.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة