في ساحتنا السياسية الان موقفان من الحكومة: الاول، قائم على نقدها لسلبيات او ضعف في الأداء، او ملاحظات على تركيبتها. وهذا الموقف لا ينطلق من دوافع شخصية او رغبات في الوراثة. أما الموقف الآخر فتتبناه بعض الاوساط السياسية التي لبعضها مواقع رسمية، ولها امتدادات في الاعلام والسياسة. وهو موقف لا يرتبط بمشاكل الناس وحاجاتهم، إنما يخوض معارك شخصية، قائمة على الغيبة والنميمة والتحريض السياسي.
ولهذا، فحتى من يمارس النقد منتميا إلى الموقف الاول، يجد نفسه احيانا مضطرا إلى الصمت حتى لا يتحول الى وقود في معركة المصالح الشخصية لبعض مراكز القوى.
الحكومة الحالية عليها الكثير من الملاحظات والسلبيات التي كتبنا وكتب عنها آخرون على قاعدة المراقبة، لكن ما بدأ يظهر في الساحة السياسية هو نوع من المطاردة والتحريض على الحكومة، كجزء من معركة لا تقوم على الحرص على مسيرة التنمية ومصالح البلاد والعباد، وإنما لأن البعض لديه رغبة في حمل لقب دولة الرئيس. هذه ليست معركة الاردنيين، ولا مصالحهم ولقمة عيشهم، بل حكايات مكاتب وسهرات وتسريبات.
والاجواء الحالية تذكرنا بمرحلة سابقة اشتد فيها التحريض على احدى الحكومات، وتم استغلال كل الظروف من اجل انهاء وجودها، ليس لأنها سيئة، بل لأن بعض الاوساط كانت لها مصلحة في التغيير.
اعتقد ان جزءا من صخب الساحة السياسية يعود الى تضاؤل نفوذ البعض، وربما لدى هؤلاء قناعات أن وجود كل حكومة هو عائق امام تحقق حلم استقبال كتاب التكليف. ولهذا، فالقضية والخصومة ليست مع سياسات الحكومات، بل مع وجود حكومات ليسوا اصحاب النفوذ فيها، او يحملون فيها لقب الرئيس. فالمطلوب لدى البعض تقزيم منصب الرئيس ليصبح مجرد مدير لحكومة فاقدة لصلاحياتها الدستورية ولدورها في رسم السياسات العليا في الدولة.
واذا كنا نتحدث عن الاصلاح السياسي، فإن المطلب الاهم الذي يحتاج الى تشريعات جديدة، هو ان تكون مواصفات رؤساء الحكومات متوافقة مع الصلاحيات الدستورية للرئيس والحكومات، اي ان يبقى الرئيس شخصية سياسية عميقة، ذات كفاءة سياسية وحضور شخصي و"كاريزما"، وحس وطني مرهف، وإداراك للتحديات الحقيقية التي تواجه الاردن؛ ولظرف الاردنيين ومعاناتهم، ويكون مشغولا بالسعي للتخفيف منها. رئيس لا يأتي إلى الموقع واجندته متخمة بالصفقات والبحث عن تمرير معاملات وتعيين المحاسيب والاقارب؛ رئيس يريد ان يخدم الناس، وان يحمل العبء مع الملك، لا ان يكون بضعفه او ممارساته الخاطئة عبئا على الملك.
ما سبق ليست مواصفات مثالية، لكن النماذج غير الايجابية جعلت البعض يرى فيما سبق مواصفات مثالية. وربما ما يتوجب على اهل السياسة إدراكه هو ان الناس ليسوا معنيين او راغبين في تغيير الحكومات، بل معنيون بحكومات تقوم بواجباتها، واذا اخطأت تصحح، واذا اكتشفت ضعفا في بنيتها عدلته، إنما ليس على طريقة تعديل الحكومات التي لا تضيف في معظمها جديدا، ولا تحمل مصدر قوة للحكومات.
الاردنيون، ومعهم كل المحايدين في موضوع تغيير الحكومات، لا يسعون ولا يدعون الله ان ترحل الحكومة الحالية والحمّى السياسية التي تجتاح بعض الاوساط نخبوية جدا، وربما شخصية، لكن الناس معنيون بأن تتخلص الحكومة من عيوبها في الاداء، وان ترفع من سويتها، وإذا حدث ذلك فإنه ليس للاردنيين عداء مع الرئيس وطاقمه، كما انهم ليسوا فرحين بقدوم من سيأتي خلفا له. ولهذا، فصخب المجالس ليس مزاجا اردنيا، فيما الناس معنيون بزيادة الرواتب وارتفاع الاسعار والبطالة والفقر والخدمات. وكثير من اصحاب الصخب هم اما في مواقع مسؤولية او كانوا، وبالتالي فليس لديهم الكثير من الانجازات.
ما نود قوله ان اهتمامات الاردنيين تتمثل في ان تكون حكوماتهم قوية، وان يكون الرؤساء حقيقيين، لديهم رؤية وبرنامج واضحين؛ رجال في اختيار طواقمهم. اما الضجيج السياسي الخارج من المطاعم الفاخرة والصالونات، فهذا لا يمثل الناس ولا يعنيهم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة