مع الاعتذار لشخص وزير التنمية السياسية، فان حديثنا عن الموقع والاداء. فالوزير يمكن اعتباره مختفيا من الناحية السياسية؛ إذ لا صوت ولا حضور ولا نشاط ولا تصريح، الا اذا كنا سنشاهده يوما على شريط فيديو يتم بثه عبر الانترنت، او عبر بيان "لم يتم التأكد من مصدره"، كما تقول الفضائيات!
وصمت الوزير يأتي في غير مكانه؛ فنحن في مرحلة فيها العديد من القضايا ذات العلاقة بالتنمية السياسية، اهمها قانون الاحزاب الذي يفترض ان يقرّه مجلس الامة في دورته العادية. ونحن نظريا في عام الانتخابات النيابية، وعام الانتخابات البلدية، وهنالك عشرات الاحزاب. وحتى لو لم يكن هناك كل هذا، فهذه الوزارة يفترض ان عملها دائم. وحتى النشاطات اللامنهجية التي كان الوزير السابق يقوم بها، من لقاءات مع الناس في المحافظات والندوات والمحاضرات، والحوارات مع الاحزاب، غابت ولم نعد نسمع بها.
نلتمس العذر للوزير لان هذه الوزارة ليس لها وصف وظيفي واضح، إذ هي وزارة النوايا الحسنة ليقال ان الدولة جادة في عملية التنمية السياسية، لكن اي سياسي يقبل بهذه الوزارة عليه ان يحاول بث نوع من الروح والحيوية فيها، او ان يترك لمسة سياسية وتحركا يجعل له شرف المحاولة، بخاصة عندما يتولى هذه الوزارة شخص سياسي جاء من احزاب المعارضة، وله تاريخ نقابي.
وحتى بالنسبة للقضية التي تتصاعد بين الحكومة والنقابات حول رقابة ديوان المحاسبة، فانه يفترض بالوزير -ورئيس مجلس النقباء السابق، وامين عام حزب معارض- ان يظهر في القضية لوضعها في اطار وحجم يمنعها من التحول الى ازمة، لكننا امام حالة صمت وسرية لا ندري هل هي ناتجة عن ردة فعل واحباط من المشاركة في الحكومة، ام هي استمرار لما قيل انه حُظِرَ على الوزير الادلاء بالتصريحات، وتطور الحظر الى حالة صمت عن الادلاء بالعمل؟!
وزير التنمية السياسية مختلف عن غيره من الوزراء، لان تجربته، حتى وان كانت شخصية، نموذج لمشاركات رجال المعارضة. واذا استمر الاداء على هذا النحو، فسيضيف الى فقر صلاحيات الوزارة قناعة بان من يأتون من المعارضة حلمهم حمل لقب الوزارة، وتحقيق هدف شخصي، من دون ان يحاول احدهم ترك ولو لمسة او اجتهاد او حتى نشاط فني! ولهذا، فنحن لسنا امام تجربة خاصة بالوزير، بل نموذج سيكون مجالا للقياس عليه.
في بداية عمله، تحدث الوزير في ندوات وحوارات. وربما اخذت الحكومة عليه ملاحظات في عدم الحديث كوزير يجب ان يتبنى موقف الحكومة، لكن هذا ليس عذرا في استمرار الصمت وعدم العمل. وان كانت تركيبة الوزارة وصلاحياتها غير الواضحة او غير الموجودة هي المشكلة، فان على كل من يتولاها ان يعطيها نوعا من الفعالية. او كان على الوزير ان لا يقبل منذ البداية بوزارة شكلية، ليس موجودا منها الا المبنى والسيارات والكادر الوظيفي. ويفترض بالوزير الحالي انه اكثر الناس دراية بدور هذه الوزارة، بحكم عمله السياسي الحزبي والنقابي، ولا عذر له ان يكتشف الان ان وزارته للعلاقات العامة.
ويفترض بأي سياسي صاحب تاريخ أنه مثلما امتلك الجرأة لدخول الحكومة، لقناعته بقدرته على الانجاز، ان يمتلك جرأة اضافية لمغادرة موقعه اذا كان وجوده شكليا او ممنوعا من الحديث، او كان عاجزا عن التأثير في الاحداث السياسية المرتبطة نظريا بوزارته.
ربما نحن من بين كثيرين متعاطفين مع الوزير الحالي، لأننا لا نحب لشخصيات سياسية اردنية ان تسجل في تاريخها تجارب عامة رديئة او غير موفقة، كما لا نحب ان نكرس صورة بان رجال المعارضة اذا ما دخلوا الحكومات فقدوا حضورهم، وتحولوا الى ارقام وزارية، وترتيب تحمله سياراتهم. ولهذا، فان الصورة الحالية لوزير المعارضة ليست ايجابية، وتحتاج الى مراجعة منه، حتى وان كانت على شكل مراجعة لوجوده في الحكومة.
الوزير الحالي ليس الوزير السري الوحيد في وزارة التنمية السياسية، فقد سبقه آخر. والمشكلة الكبرى في هذه الوزارة الخالية من الدسم والمسار الواضح، والتي ظلمت بعض من تولوها وبعض كادرها. وربما على اصحاب القرار التفكير الجاد في جدوى وجودها واستمرارها؛ فقياس النوايا لم يعد مرتبطا بوجود وزارة شكلية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة