نظريا، وربما عمليا، انتهت قضية رقابة ديوان المحاسبة على أموال النقابات المهنية بعد اتفاق الحكومة مع النقابات على صيغة ترضي النقابات بورقة كتبها رئيس الوزراء بخط يده ويجري تداولها في اوساط عديدة.
سنتجاوز فكرة الرقابة لنتحدث عن اداء الحكومة في هذه القضية. فالحكومة صنعت لنفسها أزمة تماما مثل من يدخل قفصا ويغلق الباب على نفسه، لكنها لحسن الحظ أبقت المفتاح في يدها، ثم عادت وتراجعت، لكن السؤال ما هو الموقف السليم للحكومة: هل هو موقفها الذي تراجعت من خلاله عن فكرة الرقابة وقناعتها أنّ موقفها الاول كان خاطئاً أم أنّ الموقف السليم هو الاول الذي تم التراجع عنه؟
فإذا كان التراجع هو الموقف السليم؛ فلماذا ورطت الحكومة نفسها في قضية دون دراسة لأبعادها القانونية والدستورية والسياسية؟ ومن الذي قدم لها الرأي والاستشارة بفتح ملف اكتشفت الحكومة بعد ذلك أنّها لا تملك إلاّ التراجع عنه؟ أم كان الموقف الثاني، وهو التراجع، خطأ وتتستر منه الحكومة مما أدى إلى تهريب نصاب جلسة النواب المقررة الأحد الماضي التي كانت ستناقش اتفاق الحكومة والنقابات؟
العبرة دائما في منهجية العمل وقدرة كل حكومة على تبني مواقف سليمة وفتح ملفات مكتملة سياسيا وقانونيا ودستوريا. أمّا المغامرات التي تقوم بها بعض الحكومات فتتحول إلى أزمات بوجه هذه الحكومات، وتقدمها بشكل ضعيف ومرتبك تماما مثلما حدث مؤخرا. فالحكومة لم تكن بحاجة إلى المغامرة الأخيرة إذا لم تكن قناعاتها كاملة. وإذا لم تكن واثقة بالمبررات القانونية أو القدرة السياسية على الصمود. وما تركته الحكومة من انطباعات في فتحها وإدارتها لهذا الملف هو أنّها مترددة ولا تمتلك وضوحاً في الرؤية.
البعض يعتقد أنّ الحكومة مقتنعة بقانونية ودستورية رقابة ديوان المحاسبة على النقابات، لكنها خشيت أن يضعها الاستمرار في هذه القضية في مأزق سياسي، قد يتحول إلى سلاح في ايدي خصومها والمتربصين بها، وإذا كان هذا صحيحا فالحكومة تكون قد أغمضت عيونها عن قناعتها خوفا من دفع الثمن، وهذا بحد ذاته ضعف، ويفترض بالحكومة أن تضع القضايا في الميزان قبل إخراجها للرأي العام. أمّا تبني قضايا غير مكتملة وفتح ملفات ليس لها سند قانوني او دستوري او تبني ملفات ستلحق أضرارا سياسية بالحكومة كل هذا يحسب على الحكومة وطريقة ادارتها للقضايا.
يتم تقييم الحكومات عبر عدة محاور منها إدارتها للأزمات، أو ما تفعله بعض الحكومات من صناعة أزمات لنفسها, وهذا يعود إلى ما يسمى "المطبخ السياسي" لكل حكومة وقدرته على القياس والإدارة والقراءة والتحليل. نحن المواطنين لا نعرف من في مطبخ الحكومة، لكن ما يعلمه الناس أن هناك في الرئاسة اثنين من وزراء الدولة اللذين جاءا في التعديل الأخير وهما من الوزراء القدامى، وهناك الرئيس ونائبه، لكن القضايا ليست نصا قانونيا، بل لها ابعاد سياسية ايضا. فمن في هذا المطبخ الذي أفتى للحكومة بأن تقرر فرض رقابة ديوان المحاسبة على أموال النقابات؟ ومن افتى لها بالتراجع وتوقيع الاتفاق؟!
قضية النقابات - وبعيدا عن الموقف من قانونية الرقابة أو عدمها- دخلت في الملف غير الإيجابي في ادارة الملفات التي تأتي الحكومة او تصنعها بنفسها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة