عقّب احد القراء الكرام على مقالي المنشور يوم السبت الماضي حول "زيادة الرواتب" بسطور حملت عنوان "حِلّوا عنا"، يقول فيها: "ان المعاش يكفي العائلة على العيش، لكن لأن المعاش اصبح راتبا؛ بمعنى ان هنالك ترتيبا مسبقا الى اين يذهب... 90 دينارا اجرة بيت، 20 دينارا كهرباء، 10 دنانير ماء... إلخ، والله العظيم هناك بيوت في الاردن تشتري العظام من اللحام او روس الدجاج، والعشاء زعتر وزيت او خبز وشاي... حلوا عنا لا نريد زيادة، بس ضبط الاسعار؛ مش فلان بتحكم بسعر اللحمة، او فلان بتحكم بسعر الارز".
والفكرة الاساسية في تعليق هذا المواطن نسمعها جميعا ودائما من الناس، وتتحدث عن الرقابة على الاسواق، وقدرة الحكومة على منع ارتفاع الاسعار، او منع التجار، وتحديدا الكبار، من التحكم بأسعار المواد الاستهلاكية المختلفة. والحكومة بدورها تواجه شكوى الناس وتذمرهم بتشكيل لجان، او الحديث عن جولات تفتيشية على الاسواق.
والحقيقة ان كل الاجراءات الحكومية التي يتم الحديث عنها شكلية، ولغايات امتصاص شكوى الناس. فالحكومة -بإرادتها- سلمت صلاحياتها، بل فقدتها، لأنها بحكم السياسة التي تبنتها من تحرير للأسواق والاسعار لم تعد لها سلطة على الاسواق؛ فالتاجر يمكنه بيع كيلو السكر، مثلا، بدينار، والقرار هو لقانون العرض والطلب؛ فإن رأى مصلحته وقدرته على بيع كيلو السكر بدينار، فيمكنه ان يفعل. ويمكنه ايضا ان يبيع الكيلو بعشرة قروش! اما الحكومة ولجانها، ووزارة الصناعة، فلها على التاجر فقط ان يكتب سعر كل سلعة بخط واضح ومقروء وجميل، ليكون لها حق مخالفته ان لم يفعل!
الناس في بلادنا ما زالوا يعتقدون ان الحكومة تملك سلطة على الاسعار، ولهذا فهم يتعاملون بجدية مع تصريحات المسؤولين حول لجان مراقبة السوق، او ارقام الهواتف التي تعلنها وزارة الصناعة والتجارة لاستقبال الشكاوى، لكنهم عندما يعودون إلى الواقع يجدون الاسعار ترتفع، والتاجر يمارس ما يراه مناسبا.
بعض المسؤولين يتحدثون احيانا عن حقيقة سلطة الحكومة، وإن كان حديثا على استحياء، لكن الحقيقة الكاملة ان المواطن يدفع ثمن السياسات الاقتصادية، من اصلاح اقتصادي دفعت ثمنه الطبقتان الوسطى والفقيرة، وتحرير للأسواق والاسعار. وهذا كان من دلالاته ان الحكومة فقدت سلطتها على الاسواق، ولم يعد القانون يعطيها اي قدرة على ضبط الاسعار، وهي بالتالي غير قادرة على حماية المواطن من رفع للأسعار. وستبقى حجة الحكومة دائما ان ما يحكم السوق هو قانون العرض والطلب.
والمشكلة الكبرى ان تحرير الاسواق والاسعار ليس سياسة اقتصادية بلا اجزاء اخرى. فهذا التحرير يفترض ان يتم بربط الاجور والرواتب مع مستويات الاسعار والتضخم. كما ان تحرير الاسعار، الذي يعني ان السلعة قد ترتفع اكثر من مرة خلال العام او خلال عدة شهور، يفترض ان لا يبقى راتب الموظف والمتقاعد، من الحكومة او القطاع الخاص، ثابتا لعدة سنوات، واذا ما جاءت زيادة فإنها لا تكاد تعادل ارتفاع الاسعار في فترة وجيزة.
تبنّي الحكومة لسياسة تحرير الاسعار والاسواق اشبه بمن يشتري ثلاجة لبيت ليس فيه كهرباء؛ فهذه السياسة التي تتبناها الانظمة الرأسمالية لها استحقاقات اخرى لم تتوفر في بلادنا حتى الآن.
ايها الاردنيون، توقفوا عن الشكوى للحكومة من ارتفاع الاسعار، لأن الحكومات تنازلت عن سلطتها؛ اما لجان التفتيش على وجود التسعيرة فهي تكلفة على الخزينة من دون مردود. فهذا التفتيش لا يحمي المواطن، ولا يؤثر في الغلاء.
لتتوقف الشكوى واللجان، فسياستنا الاقتصادية جعلت المواطن تحت رحمة السوق وأهله.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة