بحسب نص الدستور، فإن دور مجلس النواب رقابي تشريعي. والرقابة مفهوم واسع، لكن مفهومها العام هو إشعار الحكومة بأن كل ما تقوله وتفعله تحت رقابة مجلس النواب ومتابعته، مما يجعلها حذرة ملتزمة بما تقول، حريصة على الانجاز.
وللدور الراقبي وسائل وآليات مختلفة، لكننا نتوقف عند اقتراح او فكرة كان يطرحها رئيس مجلس النواب، عبدالهادي المجالي، قبل سنوات طويلة، وتتعلق ببرنامج الحكومة او بيانها. وينص الاقتراح على ان تقوم كل لجنة نيابية بأخذ الجزء الخاص بها من برنامج الحكومة ووضعه في جداول زمنية. وعبر هذه الجداول، تجري عملية متابعة الانجاز الشهري، او كل ثلاثة او ستة أشهر. وبهذه الطريقة، يمكن للمجلس ان يحقق نوعاً مهماً من انواع الرقابة على الحكومة.
مثل هذا الاقتراح الذي لم تكتب له الحياة الحقيقية يجعل من بيان الحكومة الذي تقدمه عند تشكيلها يتحول من ورق وارشيف، الى وعود ملزمة للحكومة. فالمشكلة في هذه البيانات انها لا تتعرض للقراءة من اي جهة بعد انتهاء جلسات الثقة. وحتى الموازنة، فإنها ايضاً تتحول الى ارقام ارادتها الحكومة، أما توصيات المجلس فغالباً ما ينساها النواب وتنساها الحكومة.
والامر لا يقتصر على بيانات الحكومة، بل يشمل ايضاً كلمات وخطابات النواب. فالحكومات والنواب يتحدثون لغايات استعمال اللحظة الراهنة فقط؛ وربما لا يحتفظ بعضهم بأوراق خطاباته نفسه، فضلاً عن أن مضامين كثير من الكلمات لا تكون نقاشاً للبيانات الوزارية او مشروع الموازنة، بل كلمات يقول فيها النائب ما يشاء.
اعلم ان المجلس في دورته الاخيرة، وان خيار الحل قائم بعد انتهاء مدته الدستورية، لكن اذا كان هنالك من يقوّم عمله -من كتل برلمانية منظمة، او لجان، او رئاسة مجلس النواب- فإن عليه ان يتذكر ان هذا الاقتراح الصادر قبل سنوات طويلة من رئيس المجلس كان يمكن ان يزيد فعالية اداء المجلس، وان يخرج النواب من اطار القضايا التفصيلية الجزئية، او البحث عن تعيين مأمور مقسم او حارس في مدرسة، الى اطار وطني واسع، يضمن قيام الحكومات بأداء واجبها والالتزام بوعودها، وان يضمن المجلس تنفيذ المشاريع القائمة بشكل كفؤ، وضمن مواعيد محددة.
كل الحكومات تأخذ الثقة، وبأرقام تؤهلها لدخول كلية الطب؛ وكل مشاريع قوانين الموازنة تأخذ الثقة ايضاً. لكن ما دام كل شيء مضمونا، والتصويت معروفة نتائجه، فلتتم على الأقل مراقبة اداء الحكومات رقابة فنية، والتدقيق على البرامج عبر جداول زمنية واضحة.
ربما تكون المشكلة في ضعف بعض اللجان النيابية وعدم انتظام عملها، وقد يكون السبب غياب الرقابة والمتابعة من قبل المكتب الدائم على عمل اللجان، لكن المحصلة هي غياب المنهجية العلمية! اما الحكومات، فهي سعيدة، لانها تفعل ما تشاء، وما عليها الا الصبر عدة ايام تستمع فيها للخطابات، مع بعض الكولسات واحياناً الاسترضاء، ثم التصويت.
ووجود المنهجية العلمية مؤشر على قدرات كل كتلة برلمانية، حزبية كانت ام شخصية؛ وهي من المعايير التي تقوّم بها رئاسة المجلس؛ لكنه معيار غائب!
ما يذكرنا بقضية الجداول الزمنية تلك المشاريع التنموية والخدماتية التي يتابعها جلالة الملك في بعض المحافظات؛ إذ يتم الالتزام بالانجاز خلال ستة أشهر، وعند الموعد يتم افتتاح المشاريع. وهذا يعني ان الاجهزة الرسمية قادرة إذا ما أرادت على الإنجاز خلال جداول زمنية محددة.
ولعل الحاجة الاساسية للمتابعة تكون للخطط الفرعية لكل وزارة؛ إذ كيف نضمن رقابة على اداء وبرامج وخطط وزارات الزراعة او الصحة او التربية اذا لم تكن جزءاً من عمل مجلس النواب؟ فالحكومة حتى وان راقبت نفسها، فإنها تجد العذر لنفسها، وتبحث عن مبررات. ولو كانت مجالسنا النيابية تتعامل بشكل حازم وعلمي مع برامج الحكومات، لارتفع مستوى انجاز الحكومات والمجالس على حد سواء.
ان يكون هنالك مجلس نواب، فهذا يعني سلطة رقابية يمكنها ضبط ايقاع الحكومات. وحتى لو وجدت كتلة قوية، تعمل بعلم وورق واقلام، فإنها تستطيع الانجاز، وتحسب الحكومات لها حسابا. وهنا نتحدث عن الجوانب الفنية، ان لم نستطع ايجاد رقابة سياسية قوية. لكن العمل بالمياومة، ووفق نظام القطعة، يجعلنا نشعر بضعف اداء المجالس والحكومات. فغياب المنهجية، والانجاز الرقابي، والحضور السياسي، يؤدي إلى أن لا يكون الفرق كبيراً بين وجود المجالس او غيابها.
واخيراً، فحتى ما تسمى جلسات مناقشة سياسات الحكومات في موضوع ما، تتحول الى مهرجان خطابي. واحياناً -كما حال بعض المناقشات- يغيب النواب، او يراها البعض مناسبة للاستعراض. ووسائل الرقابة الممنوحة للمجلس تتدرج، لكنها بحاجة الى جسم نيابي يمارسها ويستفيد منها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة