في كل منتدى حول التعليم العالي يشارك فيه اصحاب الدولة والمعالي والسعادة، وفي كل حديث عن تطوير التعليم العالي، لا يجد البعض مشكلة في الاردن الا الحصص والكوتا التي تعطى لأبناء العاملين والمتقاعدين في القوات المسلحة ووزارة التربية، وأبناء المناطق المظلومة المسماة "الاقل حظا" والمخيمات. ويطالب هذا البعض دائما بإلغاء هذا الانصاف الذي منحته الدولة لأبناء هذه الفئات والمناطق، وكأن العدل والحق لا يفسده الا اعطاء ابناء هذه المناطق الفقيرة والطبقة الفقيرة بعض حقهم في التعليم العالي!
الحجة دائما هي مستوى التعليم العالي، لكن السؤال: من قال ان هؤلاء هم من انحدر بمستوى الخريجين؟ وماذا عن الجامعات الخاصة التي تقبل خريجين من الثانوية من الحاصلين على معدلات 55%؟ وماذا عن الدارسين في الخارج، في دول اوروبا الشرقية والغربية ودول العالم العربي، الذين لا يقف احد عند معدلاتهم، ولا كيفية حصول بعضهم على الشهادة، ويعودون إلى الاردن اطباء ومهندسين؟!
واذا كنا نتحدث عن العدل، فليكن العدل اولا في كل شيء؛ لان المساواة لا تعني العدل. وابناء العسكر والمعلمين والمخيمات قد لا تتوفر لهم فرص تعليم عادلة، كما أن المناطق "الاقل حظا" ظلمتها سياسات الحكومات في كل شيء، حتى على صعيد المدارس التي قد تكون بلا رعاية وبلا معلمين لأشهر! فالتعليم نتاج بيئة خدمات متكاملة، ولهذا فالعدل يقتضي انحيازا ايجابيا نحو هؤلاء وانصافهم. ام يريد اصحاب الالقاب وجماهير المؤتمرات ان يبقى ابناء هذه الفئات والمناطق حراسا ومراسلين في دوائر الحكومة، يفتحون ابواب السيارات للكبار، ويحملون صواني القهوة والشاي؟!
عندما كان البعض يطالب بكوتا للنساء في مجلس النواب والبلديات كانوا يسمونه انحيازا ايجابيا لإنصاف المرأة، فلنطبق هذا الامر وننحاز ايجابيا لأبناء العاملين والمتقاعدين في الجهاز العسكري والمعلمين، وابناء البادية والمناطق المظلومة والمخيمات. وعلى البعض ان يتوقف عن ربط العدالة بحقوق حصل عليها ابناء هذه الفئات، فهؤلاء المنهمكون في المطالبة بإلغاء هذه الكوتات لا يرون ظلما في ان يسافر ابناء اصحاب المواقع على حساب الدولة الى اميركا وبريطانيا للدراسة، او ان يأتي بابنه من حفل التخريج الى وظيفة براتب كبير، بينما بقية الاردنيين يقضون سنوات طويلة بانتظار ديوان الخدمة!
العدالة يا سادة كلٌّ متكامل، ولعل المكرمات الملكية التي اعطت لهذه الفئات والمناطق حقا في التعليم العالي هي من القرارات الاستراتيجية في تشكيل حالة اجتماعية مهمة في الاردن. فابن العسكري لم يكن له أن يكمل تعليمه لولا مكرمة توفر له حق التعليم والتكلفة المادية. وهذه المكرمات مهمة مثلما كانت الخطوة الهامة بإنشاء الخدمات الطبية الملكية، التي وفرت وتوفر العلاج للعاملين في الجهاز العسكري وعائلاتهم.
هو قرار استراتيجي توفير امان حقيقي في العلاج والتعليم لغير القادرين على امتلاك المال، وفرص العلاج والتعليم، لضيق اليد ومحدودية الراتب.
من يقلقهم ان يحصل المظلومون على بعض حقهم على الدولة عليهم ان يذهبوا الى بؤر غياب العدل الحقيقية؛ الى الأسس السلبية في المجيء بوزراء او مديرين، او توزير ابناء الكبار وحجز الوظائف الهامة لهم، او العلاج المكلف على حساب الخزينة، او تعليم ابنائهم في اوروبا واميركا على حساب مال الدولة.
نعم للكوتا التي توفر للمناطق والفئات الفقيرة بعض حقوقها، ونعم للواسطة التي تحفظ للمواطن الغلبان حقه، وتوفر لفقير فرصة عمل يأكل منها خبزا. اما الكوتات والواسطات المرفوضة، فهي التي تأخذ للبعض حقوقا ليست لهم، وتمنح البعض ألقابا وامتيازات ومواقع لأنهم من مجموعة فلان، او لمصلحة او علاقة نسب او علاقة عمل. وبدلا من ان نستقوي على ابناء الفئات والمناطق الفقيرة، لنصنع العدل عندما يقبل احدهم ان يكون رئيسا او وزيرا وهو يعلم انه غير كفؤ، او عندما يكتب اصحاب الثروات الاستدعاءات ليحصلوا على بعثات لأبنائهم على حساب الدولة في الخارج، وتكلفة احدهم في شهر قد تعادل تكلفة دراسة ابن قرية مظلومة في الجامعة عدة سنوات.
لنغلق هذا الملف الذي يتحدث به البعض، فهذه الفئات والمناطق ما يزال لها في عنق الحكومات الكثير من الانصاف والحقوق.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة