الاعتداءات الصهيونية الاخيرة على المسجد الاقصى، وما رافقها من حفريات، اظهرت امرا يبعث على القلق، مرتبطا بحجم ردود الفعل في داخل فلسطين بشكل اساس، وفي الشارع العربي والاسلامي.
واذا ما استثنينا الموقف الصلب والكبير للشيخ رائد صلاح ومن معه من فلسطينيي 48، فإن ردود الفعل الاخرى تكاد تكون رمزية، او من باب اداء الواجب! وأتحدث هنا بشكل خاص عن الضفة الغربية وقطاع غزة اللذين شهدا تحركا شعبيا محدودا لا يتناسب مع القضية التي لا خلاف عليها بين اي اثنين. ومما يزيد القلق والتساؤل أن الزمن الذي شهدته الاعتداءات الصهيونية طويل، وامتد حوالي اسبوعين، ما يعطي فرصة لمن لم يفعل شيئا في البداية أن يستدرك، لكن محصلة ردود الفعل عادية، بل انها قد تكون اقل مما شهدته دول خارج فلسطين!
وربما علينا التوقف عند قضية لو حدثت لاستدعت مراجعة وعلاجا، وهي تأثير الفعل السياسي الفلسطيني على مزاج الشارع الفلسطيني، وحالة الانشغال السياسي والعبث الأمني الذي شهدته غزة، وأثّر على الضفة الغربية ايضا. اي إن انشغال القوى السياسية الكبرى بالخلاف على الحكومة، وممارسة الخطف المتبادل، وإطلاق النار، وتبادل الاتهامات، كل هذا جعل ردود الفعل غير موجودة؛ فأي شخص او جهة تستهلكها اي اولوية لا يمكنها ان تؤدي واجبها تجاه قضية اخرى، وهذا ما حدث. ولهذا كانت ردود الفعل على العدوان الصهيوني باهتة، ولا تليق بقوى مبرر وجودها مقاومة المحتل.
ولعل من مشكلات الساحة الفلسطينية الآن ان القوى الكبرى المؤثرة كلها تحولت الى قوى رسمية تحتل مواقع سياسية وديبلوماسية، من سلطة وحكومة ومجلس تشريعي. والمواقع الرسمية لها استحقاقات وأدوات وخطاب وحسابات وأولويات؛ فهي مثل اي سلطة رسمية عربية، ادواتها التصريح الصحافي، والبيان الرسمي، والتنديد والمناشدة. واذا استثنينا حركة الجهاد الإسلامي التي تعيش خارج الحياة السياسية الرسمية الفلسطينية، وتحاول -بإمكاناتها المحدودة- القيام بفعل مقاوم، فإن كل القوى الرسمية التي تملك القدرة على المقاومة اصبحت مقيدة بأدوات الرد السياسي الذي تسخر منه الشعوب في نقدها للواقع الرسمي العربي. اي ان الفعل المقاوم غاب، وتحولت قياداته الى سلطات رسمية محكومة بحسابات ومصالح الحكومات والانظمة.
لم يكن يحدث في السنين السابقة ان تمر قضية مثل العدوان على الاقصى فلا تشهد غزة والضفة تحركا قويا، او عملا عسكريا مقاوما، لكن الحقيقة الآن ان فلسطين بلا مقاومة مسلحة ضد الاحتلال، وخلال اكثر من عامين تكاد عمليات المقاومة تعد على اصابع اليدين، إذ أصبح العمل السياسي اداة التعبير الوحيدة، وتم تحويل قدرات المقاومة في التنظيمات الى ما يخدم حسابات السياسة الداخلية، والمحصلة ان الجميع تحولوا الى جزء من نظام رسمي، كلهم سياسيون يناشدون وينددون ويكتفون بالوقوف وراء مايكروفونات الفضائيات لشتم اسرائيل وعدوانها، تماما مثل كل النظام الرسمي العربي والاسلامي.
الجميع، بلا استثناء، منشغل بمفاوضات وقف الاقتتال، ثم بالاتفاق على حقائب الحكومة، ثم استقالة وحكومة جديدة، او انتقاد اتفاق مكة، بينما اسرائيل تمارس عدوانها. وهكذا غابت كل الاصوات لأنها منشغلة بالسياسة، وكان هناك صوت وصمود الشيخ رائد صلاح ومن معه، والذي ظهر وحيدا من دون مساندة حقيقية من فصائل وقوى فلسطينية عديدة. ولولا بعض الفعاليات الشعبية في بعض عواصم العرب، لكانت غربة الشيخ صلاح والمخلصين من عامة الناس الذين وقفوا معه، غربة كبيرة!
تستطيع فلسطين ان تعيش بلا رئيس سلطة او حكومة او وزير اتصالات وداخلية لأنها تحت الاحتلال، لكن لا يمكن لها ان تبقى بلا مقاومة، وهذا ما يحدث! فالقادة لبسوا اللباس الرسمي، وأصبحت تنقلاتهم في مواكب رسمية؛ وهذا امر لا مشكلة فيه لو كان مرافقا لمقاومة مؤثرة، لكنه كارثة عندما يكون ثمنه وقف المقاومة سنوات وسنوات.
الجميع اوقف المقاومة، والجميع اصبحوا سياسيين رسميين، بينما اسرائيل وحدها ما زالت تستعمل السلاح وتمارس العدوان.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة