اخيرا، اقرت الحكومة زيادات الرواتب للعاملين والمتقاعدين. وبعد شهور من الدراسات والابحاث والحيرة الحكومية جاء القرار المخيب لآمال الناس، وظهر ان الحكومة أربكت نفسها بكثرة الدراسات، بل وحاولت اقناع الناس ان التأخير ليس عبثا او ترددا، وإنما لأن الامر يحتاج الى دراسات، لكن ثبت ان الحكومة "غلّبت" نفسها كثيرا و"زهّقت" الاردنيين، وكان المولود قرارا عاديا اعطى للمتقاعدين 10 دنانير، ولورثتهم الشرعيين كذلك 10 دنانير. اما العاملون فلم تكن زياداتهم اختراعا، فاقل الارقام يأخذها اصغر الموظفين، وكلما زادت الرتبة زادت الزيادة.
واذا كانت الزيادة بهذا الشكل، فإننا نسأل الحكومة عن امور تحدثت عنها، ومنطلقات وضعتها لقضية الزيادات، ومنها:
1- قالت الحكومة انها تعمل على تحسين ظروف حياة المواطنين، واعطاء زيادة لضمان الحياة الكريمة؛ فأين هذا الهدف من هذه الزيادات؟ وكيف تتحسن شروط الحياة للمتقاعد، مثلا، بعشرة دنانير؟!
2- قالت الحكومة انها ستعيد هيكلة رواتب القطاع العام والحفاظ على مكانة الوظيفة العامة، بحيث توفر للموظف القدرة على مواجهة متطلبات الحياة، وتوفر عدالة بين فئات الموظفين؛ اي اجراء اصلاح على بنية الراتب، فأين هذا من الزيادات العادية التي لا تمثل اختراعا، بقدر ما هي تكرار لزيادات سابقة مع بعض التحسين؟
ندرك ان الظروف الاقتصادية للدولة ليست مريحة، وان استحقاقات الزيادة كبيرة على الموازنة، لكن الناس ايضا لها حق على الحكومة. فالموظف تعرض خلال السنوات الماضية الى عدوان على راتبه وقيمته الشرائية نتيجة ارتفاع الاسعار، فكل شيء ارتفعت فاتورته، بما فيها الخدمات الاساسية. والموظف والمتقاعد والعسكري ليس له وظيفة ثانية، فاعتماده على الراتب، واذا لم يتحسن الراتب فإن قدرة المواطن على توفير حياة كريمة تتراجع يوما بعد يوم.
الضجيج، والمبررات، والانشاء والبلاغة التي سبقت الزيادات جعلت المواطن يعتقد ان ما سيأتي سيكون ملموسا، بخاصة ان زيادة حقيقية لم تطرأ على الرواتب منذ سنين، وربما تمر سنوات طويلة قبل زيادة اخرى. لكن المفاجأة رديئة، وعلى الحكومة ان تقنعنا كيف ستكون 10 دنانير تحسينا نوعيا لحياة المواطن المتقاعد، وكيف أن 15 دينارا ستجعل الموظف قادرا على مواجهة متطلبات الحياة، والحفاظ على قيمة الراتب والوظيفة العامة!
ونسأل الحكومة عن تعويض المحروقات الذي يقال انه تم الغاؤه هذا العام، مع ان رئيس الوزراء كان قد اكد انه باق. واذا كان الالغاء قد تم، فإن الاسرة التي كانت تتقاضى 75 دينارا في العام وحصلت الآن على زيادة 10 دنانير، تكون عمليا لم تحصل الا على 45 دينارا سنويا.
ونسأل الحكومة ايضا عن التقشف الذي ليس في مكانه، بجعل الزيادة اعتبارا من بداية نيسان؛ فلماذا لم تكن في بداية اذار القادم؟ اما ملحق الموازنة، فلو ارادت الحكومة والنواب اقراره بسرعة، وبما يخدم الناس، لفعلت، لكن الحكومة تريد التوفير على حساب الموظف والمتقاعد بعدما ماطلت اسابيع طويلة في الاعلان عن الزيادات.
ونذكّر ادارة الضمان الاجتماعي بوعد اطلقه المدير العام للمؤسسة في بداية شهر كانون الأول الماضي بأن المؤسسة ستقوم بتعديل القانون بحيث يتم رفع الحد الادنى للراتب التقاعدي، وكذلك ربط الراتب التقاعدي بمعدلات التضخم، ما يعني رفع رواتب متقاعدي الضمان. ووعد المدير بعرض التعديلات القانونية على مجلس الامة في دورته العادية الحالية التي ستنتهي في نهاية شهر اذار القادم.
ثلاثة شهور تقريبا مرت على الوعد الذي اطلقه مدير الضمان للناس ولم يحدث اي شيء، والوقت المتاح امام عمر الدورة العادية لمجلس الامة قصير جدا، والاهم من هذا ان مرور الأشهر والسنوات على ثبات رواتب متقاعدي الضمان يعمق حاجات هذه الفئة التي وصلت الى مرحلة من العمر لا تمكنها من العمل. وما دامت قد سلمت امور شيخوختها للضمان الاجتماعي، فيفترض ان تكون المؤسسة حريصة على حياة كريمة لهم، تماما مثلما هي حريصة على معادلة الايرادات والنفقات. ونذكر اصحاب القرار في الضمان ان آخر زيادة على رواتب متقاعدي الضمان كانت في العام 2001.
ليست منّة او فضلا من الضمان او حتى الحكومة زيادة رواتب المواطنين، لأن هؤلاء رعاياها وتتحمل مسؤوليتهم وحقهم في حياة كريمة، ونحن دولة ما تزال الحكومات فيها هي مظلة العمل والتقاعد. وكما ان للحكومات والضمان معادلات، فإن للاردنيين معادلات لضمان اساسيات الحياة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة