الوجه الأسود للمشهد النيابي "يتجاوز المال الأسود"، لكن ما لن ينمحي من الذاكرة، هو فاجعتنا برحيل سامي الزبيدي، مع عائلته (زوجته وشقيقها وأطفاله الثلاثة)، في حادث سير أليم ورهيب، صبيحة اليوم التالي لانتخابات كنّا نتوقع مخرجاتها، لكننا لم نكن نعرف أنّ القدر خبّأ فيها ما هو أسوأ منها بكثير؛ فامتزج العزاءان في رمزية غريبة!
ما يضاعف من حجم المأساة أنّها جاءت بعد أن أحرقوا قلبه، بإحراق مقرّه الانتخابي بالكامل. ما ترك -زيادة على الخسارة المالية الكبرى- جرحاً عميقاً لديه، وشعوراً بالظلم والحزن الشديد. وهو شعور طغى على أحاديثه الأخيرة مع أصدقائه ومن قابلهم، والذين لم يروه قبل ذلك بمثل هذا الألم؛ يشاهدون جرحه -الذي أخذه معه إلى قبره- في عينيه مع كبريائه وآنفته!
كعادته يلجأ إلى قلمه، معبّراً عمّا في قلبه، ويكتب على صفحته (على مواقع التواصل الاجتماعي) مقالة تطفح بالحزن والألم، لشعوره بعدم جديّة الكشف عن المتسبّبين في إحراق المقرّ وإيذائه، ومن يقفون وراء توجيه رسالة التهديد "تلك" إليه!
يقول سامي (رحمه الله) على صفحته بعنوان "جمرة على شكل القلب": "كيف ينتصر البعض على فرد أعزل باستخدام أرخص الوسائل.. إرسال حثالة ليحرقوا القلب.. أنا لا أملك أسلحة محددة للمواجهة.. ولا أريد هذه المواجهة أصلا، وكل ما أقوى عليه وكل ما أتقنه بفعل تربيتي هو البوح بما أفكر فيه. وكل ما أجيده هو الإعلان عما أرى أنه صحيح وليس بالضرورة يكون صحيحا" .
وفي فقرة أخرى: "ثلاثة أيام على الجريمة ولا حتى إبداء للأسف أو إيصال رسالة تضامن إيجابية، ولا حتى الانهماك في العمل لكشف الجناة، فقط مراقبة ما يصدر عنك من ردود أفعال تصيّداً لخطأ ما يرتكب في لحظة غضب منفلتة من كل عقال".
ويفضفض: "جافينا نصائح كثيرة بعدم السباحة في بركة الانتخابات الآسنة. والمفارقة أن تلك النصائح أو على الأقل بعضها جاء ممن يخرجون إلى العلن لحث الناس على خوض غمار هذه اللعبة. ولم أكن أعلم أن رغبات البعض أوامر (..). ثلاثة أيام والاسترخاء هو السيد في غرف التحقيق الخالية من المشتبه بهم، وسخرية البعض خرقت طبلة أذني، أليس مشهد يبعث على الريبة؟".
وينهي كلماته في الدنيا: "في الصدر بداوة تتجاوز وتمحو كل ثقافة ابن رشد والغزالي وألتوسير وميشيل فوكو، وحتى صاحب الفضيلة كارل ماركس.. وفي الصدر بداوة لا تقبل ضيما وتعرف كيف تؤذي إن لم تستطع أن تدمي.. والحريق وإن أطفأته سيارات الدفاع المدني الناعسة إلا أنه لا يزال يضطرم في الأحشاء، ولن يهدأ ولن تنطفئ جذوته قبل أن تصل الحقوق إلى أصحابها..
"كل ما أستطيع قوله هو أنني أعدهم بالجنون وما لا يمكن تقديره.. للعلم حتى أنا لا استطيع تقدير ما يمكن أن أقوم به..".
رحل سامي بعد أيام، حزيناً يسكنه شعور صارخ بالظلم. بردت جمرة (قلبه)، هي الآن في سلام أبدي، وترك جمراً يحرق قلوبنا على هذه النهاية المأساوية الحزينة. وما نقدر عليه في وداعك، إلا أن نتذكرك ونسامحك، ونفتقدك، ونقول: حسبنا الله فيمن قتلوك قبل موتك، إنا لله وإنا إليه راجعون.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد