الموقف السياسي المتشدد من الادارة الاميركية وبعض دول الرباعية الدولية من مسألة رفع الحصار الظالم عن الشعب الفلسطيني، لا يمكن وصفه الا بالجشع السياسي، والرغبة الجارفة في ابتزاز المزيد من المواقف والتنازلات من الطرف الفلسطيني. فإسرائيل لم تعد تقبل بالاعتراف الضمني، او حكومات فلسطينية تعلن التزامها بالشرعية العربية واحترامها للاتفاقات القائمة، إذ لا تقبل بأقل من الاستجابات الكاملة والواضحة. وهذا الابتزاز الدولي ليس لاعادة فلسطين او اقامة دولة فلسطينية مستقلة، وإنما من اجل اعطاء الفلسطيني حقه في الطعام والشراب والحياة!
اقل ما يمكن ان يقدم من ثمن للتوافق الذي ادى الى البدء في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية هو رفع الحصار الظالم عن الشعب الفلسطيني؛ فحركة حماس قدمت من خلال اتفاق مكة ثمنا سياسيا كبيرا يفترض ان يقابل دوليا بفك الحصار، لا بالتشدد والابتزاز.
واذا عدنا الى الثمن والتنازل الذي حملته حكومة الوحدة الوطنية، فهو على النحو التالي:
1- تخلت حماس عن تفردها بقيادة الحكومة التي جاءت بعد فوزها بأكثرية المجلس التشريعي.
2- وافقت حماس على ان تقود حكومة قائمة على كتاب تكليف يقبل بالشرعية العربية القائمة على قرارات الأمم المتحدة والمبادرة العربية، وكل هذه تعترف بإسرائيل، وتدعو إلى التطبيع الكامل مقابل السلام الكامل. كما أن الشرعية العربية تقوم على الايمان بخيار التفاوض والحل السلمي في ادارة الصراع مع اسرائيل.
وكتاب التكليف الذي قبله اسماعيل هنية ليس كشخص بل كممثل لحركة حماس، يقوم على احترام الاتفاقات القائمة، ومنها اتفاق اوسلو الذي جاء نتيجة مفاوضات بين منظمة التحرير واسرائيل، واعترف بإسرائيل واعطاها حقا في الوجود على الاراضي الفلسطينية المحتلة قبل العام 1967.
3- الحكومة الفلسطينية القادمة لا تعارض التفاوض مع اسرائيل، لكنها لن تمارسه، بل ستفوض منظمة التحرير ورئاسة السلطة بهذا؛ اي انها لن تقاوم التفاوض، ولن تقف حجر عثرة، وإنما ستمارس مساعدة لرئيس السلطة، كما قال وزير التخطيط الفلسطيني سمير ابوعيشة.
وهذا الموقف يعني استمرار حالة توقف المقاومة، لان من يفاوض او يفوّض احدا بالتفاوض لن يدمر تفاوضه عبر عمل عسكري. بل ان المجتمع الدولي الذي يفرض الحصار الظالم على الشعب الفلسطيني يعلم ان المقاومة متوقفة منذ اكثر من عامين، وان حماس لم تقم بأي نشاط عسكري ضد الاحتلال خلال عمر حكومتها المستقيلة، باستثناء عملية خطف الجندي التي جاءت ردا على اجتياح اسرائيلي.
4- ماذا يريد المجتمع الدولي عدا عن ممارسة الابتزاز والجشع السياسيين بحق الفلسطينيين؟ فقد سمعوا حتى من الحكومة الفلسطينية المستقيلة منذ اشهر، وعلى لسان اسماعيل هنية، انه لا يوجد ما يمنع اي اتصال بين وزراء الحكومة ونظرائهم الاسرائيليين فيما يتعلق بقضايا الخدمات؛ اي ان حماس لم تكن ترفض ان يجتمع وزراؤها مع الاسرائيليين لحل مشكلات الخدمات، من مياه وصحة واتصالات وغيرها، إنما كانت تحظر الاتصال السياسي. ومجرد الموافقة على التطبيع والاتصال في قضايا حياة الناس هي خطوة كبيرة اهدرتها اسرائيل التي مارست مقاطعة لتلك الحكومة، وحصارا على الشعب الفلسطيني، والسبب ان اسرائيل واميركا تطلبان كل شيء بلا ثمن.
5- وماذا يريد المجتمع الدولي اكثر من هذا من حماس؟ وماذا تريد من محمود عباس الذي يتنقل في دول اوروبا يعلن التزامه بنبذ العنف والارهاب والاعتراف بإسرائيل، ويؤكد ان الحكومة القادمة اعلنت قبولها بكتاب التكليف الذي ينص على الاعتراف بالشرعية العربية، واحترام الاتفاقات القائمة؟
ما قدمته حماس من استجابات من خلال اتفاق مكة يقابل بتشدد لا مبرر له من المجتمع الدولي، ويبدو ان تجربة هذا المجتمع الدولي السابقة مع منظمة التحرير، التي حصل منها على كثير من التنازلات شبه المجانية، تجعله يمارس ذات النهج. فرغم كل استجابات حماس، إلا ان المطلوب هو ان تقدم تنازلات لا تحتمل التأويل، لعل هذا يرضي الجشع الصهيوني والابتزاز الدولي. واسرائيل ترى انها ليست في عجلة من امرها، وتعتقد ان حصارها السياسي والاقتصادي كان من اسباب الاستجابات الجديدة، وانها ستحصل على المزيد عبر استمرار عدوانها واستثمار الانحياز الاميركي لسياساتها الظالمة.
مرة اخرى، ما يطلبه الفلسطينيون الان هو فك الحصار. وإذا كانت كل هذه المطالب الدولية هي فقط للسماح بتدفق المساعدات الدولية والعربية، فكيف سيكون حجم الثمن الذي سيطلبه العالم واسرائيل مقابل اقامة دولة فلسطينية حقيقية؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة