في ضوء الارتباك النيابي الحالي، إذا لم تحدث مفاجأة كبيرة، فإنّ فرصة د. عبدالله النسور بالبقاء رئيساً للوزراء، ستكون كبيرة. وهو الخيار الذي أعلنت عنه كتلتان صغيرتان، بينما ما يزال الديوان الملكي ينتظر مواقف الكتل النيابية الأخرى.
على الطرف الآخر، لم تسفر- إلى الآن- حوارات الكتل الكبيرة (التي تسعى إلى تشكيل ائتلاف الأغلبية البرلمانية)، مثل وطن والوعد الحر والوسط والتجمع الديمقراطي، عن نتيجة محدّدة، مع استمرار الاختلاف في وجهات النظر حول تسمية رئيس مقترح، وأيضاً مسألة الجمع بين الحقيبة الوزارية والمقعد النيابي.
في حال بقاء النسور رئيساً للوزراء، فإنّ لدينا سيناريوهات متعددة لصيغة الحكومة المنتظرة. فهنالك من النواب من يدعو إلى تشكيل حكومة مختلطة، تضم عدداً من النواب؛ فيما بدأ يتنامى تصوّر آخر يقتضي بأن يترك النواب لرئيس الوزراء، عبدالله النسور، مسؤولية تشكيل الحكومة الجديدة، إلى أن يقوم المجلس بتعديل النظام الداخلي، بما يقوي الكتل ويمنحها صيغة مؤسسية، ثم يشكل النواب الحكومة البرلمانية مع الدورة البرلمانية العادية الأولى.
مما يدفع نحو تعزيز خيار النسور عجز الكتل النيابية عن تسمية مرشّح توافقي للموقع، أو حتى تقديم أسماء يمكن أن يدير الديوان الملكي نقاشاً حولها، مع وجود قناعة متداولة في أوساط نيابية (تنفيها المصادر الرسمية بقوة) بأنّ رغبة "مطبخ القرار" تكمن في إعادة تكليف النسور بالرئاسة. وهي قناعة - سواء كانت صحيحة أم خاطئة- تضرّ بالنسور نفسه، الذي يبدو وكأنه مفروض (بطريقة مختلفة) وليس مرشّحاً توافقياً. كما تضرّ كذلك بالعملية السياسية بأسرها؛ إذ تبدو في نهاية اليوم وكأنّها شكلية بلا قيمة حقيقية، وقد تعصف بسمعة وصورة مجلس النواب الجديد منذ الأيام الأولى، بوصفه استمراراً للمجالس السابقة وصيغة العلاقة المختلة بينها وبين السلطة التنفيذية.
برأي عدد كبير من المراقبين والسياسيين، قد يكون النسور من أقوى رؤساء الحكومات خلال العقد الأخير، ويتمتع بذكاء سياسي، ويعدّ رجل دولة بامتياز. وإذا كان البعض يأخذ عليه قرار رفع الأسعار، فإنّ اقتصاديين يرون أنّ هذا القرار أنقذ الموازنة والاقتصاد الوطني، مع شحّ البدائل الاقتصادية الواقعية، في وقت محدود ولحظة سياسية حرجة. إلاّ أنّ المرحلة التي جاء فيها الرجل هي التي تجعل منه اليوم خياراً غير مرحّب به الآن لدى نخبة واسعة من النواب، تريد إثبات استقلالية المجلس ورفع المظلة الرسمية عنه عبر تقديم مرشّح جديد للموقع!
المشكلة تبدو أكثر تعقيداً إذا ما أصرّ النواب بأن يكون هنالك تمثيل نيابي داخل الحكومة؛ إذ سيؤدي ذلك إلى تعزيز الخلافات داخل الكتل نفسها، ويهدد تماسكها ووحدتها، وربما يعصف بمحاولات تشكيل ائتلافات ذات أغلبية تمثّل رافعة برلمانية للحكومة.
إلى الآن، تبدو الحيرة كبيرة في أوساط مجلس النواب، وتقود إلى حالة من التخبط ومحاولة اجتراح سيناريوهات هجينة؛ ما بين الاكتفاء بمشاورات شكلية تفضي إلى تفويض صاحب القرار بتسمية الرئيس، إلى المطالبة بحكومة برلمانية كاملة الدسم، تتشكل من رئيس ووزراء من رحم مجلس النواب، في محاكاة للتجارب الغربية التي تتوافر على بنية حزبية وسياسية قوية، لا كما هي الحال في مجلسنا الموقّر.
في خضم هذا المخاض وفقدان البوصلة والقدرة على ترسيم حدود الدور السياسي الواقعي للمجلس والمضي خطوات مدروسة للأمام، يبدو أن الحكومة التي يمكن أن تنتج ضمن المؤشرات الحالية أقرب إلى كائن سياسي مشوّه، يصعب تصنيفه ضمن أدبيات الأنظمة السياسية المعروفة؛ فلا هو خاضع للصيغة السياسية السابقة، ولا يعتبر حكومة برلمانية، فهو اختراع أردني، لكنه بكل المواصفات يعتبر رديئاً، إلاّ إذا غيّر النواب المسار الحالي عبر طرح اسم رئيس وزراء يمكن أن يحدث فرقاً في التوقعات الحالية، ويمثّل خياراً يبعث برسالة مختلفة عما يجري تداوله اليوم من تحليلات!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد