تعاملنا جميعا في الاردن، مواطنين وحكومات، مع الاشقاء العراقيين خارج اطار حسابات التجارة والاقتصاد. فهذا الشعب العربي يتعرض، منذ بداية التسعينيات، الى محنة كبيرة اضطرته الى مغادرة بلاده. ولولا الظروف القاهرة لما اقدم اي عراقي على الهجرة وترك ارضه ووطنه.
ومن منظور عربي اسلامي وانساني، فهؤلاء الاشقاء لهم حق على كل عربي بمساعدتهم على تجاوز هذه المرحلة؛ فالحصار ثم العدوان والاحتلال، وغياب الامن والاستقرار، اجبرت ملايين الاشقاء على الهجرة؛ ليس الى الاردن فقط، بل إلى دول عربية اخرى، مثل سورية ولبنان ومصر واليمن ودول الخليج.
وخصوصية تعاملنا مع العراق ان هذا البلد قدم واجبه نحو أمته حتى وهو في اشد المراحل صعوبة، وكان ثغرة عربية صادقة دافع عن قضايا الامة عبر العقود، ولنا معه نحن الاردنيين سجل عربي، تبادلنا فيه تقديم العون السياسي والاقتصادي والشعبي.
الاشقاء العراقيون مقسمون الى فئتين: الاولى، فقيرة تطلب الامن ومصدر الرزق، واخرى غنية ذات ثروة واقتدار. ولأن العلاقة خارج اطار حسابات الاقتصاد، فقد استقبل الاردن، منذ عقود، مئات الآلاف من الاشقاء من غير اصحاب الثروة. وبعد الاحتلال، كانت نسبة كبيرة من القادمين من اصحاب المال، وهم الآن يشكلون حالة اجتماعية واقتصادية في عمان؛ إذ اشتروا الاراضي والفلل والشقق، وانشأوا اعمالا تجارية. وهذا استحقاق طبيعي للأعداد الكبيرة وتصنيفها الاقتصادي.
ووجود الاشقاء في الاردن خارج حسابات السياسة او العلاقات مع الحكومة في العراق، وبالتالي فإن فتح ابواب المدن العربية للمهاجرين او المهجرين من بلادهم واجب عربي. لكن هذا لا يلغي ان بلدا صغيرا مثل الاردن تتأثر امكاناته بالهجرات الكبيرة التي تصل الى مئات الآلاف، او ما يقارب ثلاثة ارباع المليون، فنحن هنا نتحدث عن زيادة اضطرارية في السكان تصل الى اكثر من 10% من تعدادهم، وهنالك بنية تحتية ليست مصممة لتحمل هذه الطفرة السكانية، فضلا عن المياه والكهرباء والطرق وحتى المدارس، ما يقودنا الى جانب آخر في قضية الاشقاء؛ جانب لا يناقش فكرة وجودهم او عدمها، بل يتمثل في دراسة الابعاد الفنية والاقتصادية.
فالاردن كدولة ذات امكانات محدودة يؤدي واجبه القومي من جهة، لكن العراق ملف دولي تعرض لاحتلال وسياسات ظالمة، وهنالك آثار لهذا الاحتلال يتحملها المجتمع الدولي. فليس معقولا ان تمارس اميركا عدوانها ويدفع العراقيون ثمن هذا تشريدا وهجرة، كما يتحمل الاردن ثمن هذا وهو الذي يسعى إلى تعزيز قدراته وجلب المساعدات، ويدفع الاردنيون ثمنا من كأس الماء وازدحام الشوارع والمدارس وأسعار الشقق.
الحكومة اعلنت قبل ايام انها بصدد التعاقد مع هيئة نرويجية "معروفة ولها خبرة طويلة"، كما تقول الحكومة، من اجل اجراء مسح شامل للعراقيين في الاردن؛ أي التعرف على اعدادهم وتصنيفاتهم، ومن يقيم منهم بشكل مؤقت استعدادا للسفر، او الزوار، او الموجودون بشكل شبه دائم. وهذا يعني بوضوح ان الحكومة، والحكومات السابقة من قبلها، لم تتعامل بشكل علمي ودقيق مع تدفق الاشقاء العراقيين، ولهذا لا نجد رقما دقيقا ولا معلومات وافية! اي ان كل ما فعلته الحكومات هو فتح الحدود وختم الجوازات، من دون أن يمارس أحد مراجعة وإحصاء، او اجراء اي دراسة. ولو كان لدى الحكومة اي معلومات حقيقية او دراسات لما اعلنت انها ستستقدم من النرويج هيئة ذات خبرة طويلة، ما يؤكد انها لا تخفي معلومات او تصطنع قلة المعرفة.
وحين تفتقد الحكومة ارقاما ومعلومات دقيقة، فإنها تكون عاجزة عن ممارسة اي تحرك نحو الجهات الدولية من اجل ان تقوم هذه الجهات بواجبها في مساعدة الاردن. لكن هذا الاعتراف الحكومي او قصور المعلومات وضبط ايقاع تأثير هذه الهجرة داخليا يدفعاننا إلى التساؤل عن الدور الذي تمارسه الجهات المعنية، من وزارات وإدارات ومسؤولين. واذا كانت كل هذه الجهات لا تدرك درس حساب في معرفة القادم والداخل في زمن الكمبيوتر والحكومة الالكترونية، فما الذي تفعله هذه الجهات، لا سيما وأنها تعلم ان الحرب في اي دولة مجاورة تترك آثارا علينا؟
حكاية الاشقاء العراقيين تقودنا ايضا الى عجز الحكومات عن امتلاك رقم متفق عليه ودقيق لأعداد العمالة الوافدة. وهذه حكاية تتعلق بالقدرات المنهجية في التعامل مع مشكلاتنا؛ فالإحصاء او امتلاك ارقام دقيقة لم يعد اختراعا، بل هو ادنى الواجبات.
نتمنى دائما ان يبقى الاردن واحة امن واستقرار لشعبه واشقائه، لكن واجب الحكومات ممارسة عملها؛ فكما تفتح الابواب للاشقاء، عليها ان تمتلك المعلومة حتى لا يدفع الاردن والاشقاء العراقيون ثمن الاحتلال الاميركي وفشل سياساته.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة