لعلنا في الاردن من الدول التي قطعت شوطا معقولا في رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، وأصبح لدينا مؤسسات وهيئات وتشريعات واهتمام من اعلى مستويات القرار في الدولة، وكل هذا يحسب للأردن في التعامل مع فئة ليست قليلة من الاردنيين الذين ابتلاهم الله تعالى بغياب حاسة من الحواس او عضو من الجسد نتيجة حادث او امر خلقي او غيره من الاسباب.
لكن حاجات هذه الفئات تطورت عما كانت عليه في عقود ماضية، واصبح هنالك ضرورة ماسة ليس لتوفير الخدمة الاولية او التجهيزات الفنية، بل لرعاية الابداع والطموح، والاهم احيانا اقناع بعض فئات المجتمع ومؤسساته بأن اي مواطن من ذوي الاحتياجات الخاصة لديه القدرة على أداء واجبه ودوره، وأن له ابداعا وطموحا وقدرات، والتشريعات حتى وإن انصفت ذوي الاحتياجات الخاصة فإنها احيانا تكون عرضة للالتفاف من قبل بعض المؤسسات.
احد الاردنيين من ذوي الاحتياجات الخاصة، ومن فئة المكفوفين، طموح مثابر حصل على الدكتوراه في النحو واللسانيات الحديثة بتقدير جيد جدا. وليد لم يأت بالشهادة من جامعات ضعيفة في الخارج، بل هو خريج الجامعة الاردنية، ولديه ايضا مهارات في الحاسوب وتطبيقاته، ولديه ايضا قناعة بأن التشريع يخدمه حيث ينص القانون على اعطاء 2% من العاملين في المؤسسات لذوي الاحتياجات الخاصة.
د. وليد طاف على عدد من الجامعات الاردنية، لكن الطريق مغلق! والتدريس فيها لا يمكن الوصول اليه! وهو يعتقد ان هذا قد يعود لكونه كفيفا، ويعتقد ايضا ان القانون قد يعطيه افضلية، ولعل هذه القضية تجعلنا نفكر معا بضرورة ان يكون هناك جهة رسمية تقوم على التنسيق مع الجهات الرسمية والقطاع الخاص لتوفير حقوق هذه الفئة، او منحها فرصا للابداع والمساهمة الايجابية في بناء مجتمعهم والعيش كغيرهم من المواطنين.
هذه الجهة المرجعية يمكن ان تكون اشبه بديوان الخدمة المدنية، لكن ليس بالضرورة ان تكون رسمية، بل من الجهات الراعية لذوي الاحتياجات الخاصة، لكن لديها سندا قويا، ولديها سجلات بالتخصصات والاشخاص والجهات التي تقدموا إليها وتاريخ تقديم الطلبات، وتقوم بالمتابعة، وهذه الجهة تكون عنوانا للقطاع الخاص، اذا ما اراد الاستفادة من اصحاب الكفاءات من ذوي الاحتياجات الخاصة، كما تكون مظلة يلجأ اليها ذوو الاحتياجات الخاصة، وبهذا ننتقل خطوة على طريق العمل المؤسسي لخدمة هذه الفئة من الاردنيين.
ما بين العطف والشفقة من جهة والانصاف والتأهيل وإعطاء الفرص والدمج في المجتمع مسافة لا بد ان نقطعها حتى يمكننا تحقيق العلامة الكاملة في رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة. وبدلا من ان نضع في كتب ابنائنا صورة لكفيف يمسك بيده طفلٌ ليقطع به الشارع نحتاج الى ان نضع في وجدان اطفالنا وواقعنا كفيفا طموحا متميزا في قاعة تدريس جامعية، او مديرا في مؤسسة، والمشكلة ليست في توفر الكفاءات فهي موجودة، بل بتشكيل ثقافة الابداع لهؤلاء بدلا من ان يكونوا فقط مصدرا لكسب الحسنات والاجر.
اجراء مسح وإحصاء وتصنيف لكفاءات واهتمامات وتخصصات ذوي الاحتياجات الخاصة خطوة هامة يوفرها وجود جهة مرجعية والتزام وطني من المؤسسات الرسمية والخاصة بإنصاف هذه الفئات، كل هذا خطوات ضرورية لزيادة مساحة رعاية هذه الفئات ومنع تحول قضاياهم الى قضايا شخصية، بل الى مسار قادر على رفع سوية اندماجهم في المجتمع كفئات منتجة ومبدعة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة