قبل أشهر، قرأت ملفاً خاصّاً في مجلة "نيوزويك" الشهيرة، عن القلق والخشية من تراجع مستوى التعليم في المواد العلمية في المدارس الأميركية، استناداً إلى تقييمات دولية ومنافسات بين الطلبة في دول العالم.
غلاف المجلّة الشهيرة عكس حالة القلق في الأوساط الإعلامية والأكاديمية والسياسية، واستعان الملف بخبراء مرموقين لتفسير هذا التراجع النسبي على مستوى العالم (درجات محدودة)، مقارنةً بتفوق التعليم في اليابان خلال الفترة نفسها.
الموضوع أصبح مثارا للجدال والسجال في أشهر الصحف والمجلات والفضائيات؛ وشهد نقاشات ساخنة، واستولى على اهتمام النخب وشريحة واسعة من الأميركيين. أمّا هنا، فلم تحرّك صيحات التحذير التي أطلقتها أبرز الشخصيات الأكاديمية المرموقة خلال الأعوام الماضية، مثل د. محمد عدنان البخيت ود. كامل العجلوني، ساكناً في الإعلام ولدى السياسيين والمثقفين!
قبل أيام، عاد رئيس الجامعة الأردنية، د. اخليف الطراونة، ليحذّر من أنّ الجامعة لن تستطيع دفع رواتب موظفيها والأساتذة في حال بقي الدعم الحكومي محدوداً إلى هذه الدرجة، وهي الجامعة التي كانت قبل أعوام مستغنية عن هذا الدعم، لكنّها اليوم تقع فريسة التخبط وغياب البوصلة في السياسات الحكومية. أمّا عن جامعات الأطراف والأوضاع المالية والإدارية فيها؛ فحدّث ولا حرج!
يتساءل الزميل والصديق د. يوسف ربابعة عن هجرة العقول والأدمغة والخبرات من الجامعات خلال الأعوام الأخيرة إلى دول الخليج العربي، تحت وطأة الظروف الاقتصادية الحالية؛ وهي ظاهرة أصبحت بالفعل ملحوظة خلال الآونة الأخيرة. ولم لا يفكّر الأكاديميون في البحث عن الحياة الكريمة، طالما أنّها غير متوافرة في جامعاتنا، لا على صعيد اقتصادي ومالي، ولا إداري، ولا حتى على مستوى التعليم المتدهور والمتراجع بوضوح خلال الفترة الأخيرة؟!
في سياق هذه الحالة المتردية والمقلقة، ليس غريباً أن تطغى حالة التشاؤم والإحباط على نخبة من الأكاديميين والباحثين خلال المؤتمر الذي عقده مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية (بالتعاون مع المعهد البريطاني) عن واقع البحث العلمي في العلوم الاجتماعية والإنسانية في الجامعات الأردنية، ونحن نرصد ضحالة البحث العلمي، وسوء أوضاع التدريب، ومحدودية مشاركة البحث في تغيير البيئة المحيطة، وسوء وضع النشر العلمي والأكاديمي، وغياب تقاليد بيئة حاضنة للبحث العلمي، وعدم توافر شروطها الحقيقية، برغم المؤسسات المعنية بالبحث العلمي التي أنشئت في السنوات الأخيرة!
بعض الخبراء يرى أنّ هذا التردّي في الجامعات هو أمر طبيعي؛ فهي ليست منفصلة عن البيئة المحيطة بها، ولا تعيش في جزيرة منعزلة، وإذا كان التردي في كل شيء، فالجامعات هي جزء منه! وهذا التوصيف صحيح نظرياً، لكنه عملياً، وضمن دراسة حالة التعليم العالي في الأردن، بحاجة إلى تدقيق أكبر. فما حدث هو تراجع نوعي وجوهري في دور الجامعات وفي أحوالها، وفي مستوى الأساتذة والطلبة، وهذه ليست نتيجة عفوية لما يدور حولها، بل نتاج سياسات كارثية طُبّقت على الجامعات خلال الأعوام الماضية، لم تمنعها من التطوّر، بل أصابتها بأمراض خطرة تحتاج إلى فترة استشفاء طويلة منها، في حال بدأنا الآن وفوراًَ!
الجامعات عانت من تغول الحكومات عليها؛ التلاعب أولاً في تسمية الرؤساء والقيادات الأكاديمية، والتغول في التعيينات الإدارية على أسس من الترضية والجهوية، وعدم الاكتراث بالأوضاع المالية وبتطويرها، فأصبحت المرافق مترهّلة، والإمكانات العلمية متواضعة، والأخطر من هذا وذاك تدخل الأجهزة الأمنية في التعيينات، والضخّ الجائر والكبير لآلاف الطلبة فوق إمكانات وقدرات الجامعات.
وضع التعليم العالي والجامعات والبحث العلمي يدعو إلى اليأس والإحباط والقنوط؛ لكن لا تشغلوا بالكم أيها المسؤولون؛ فهذه ليست قضايا مهمة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد