أثار مقتل الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي (في تفجير في أحد أحياء دمشق قبل أيام) جدلاً واسعاً بين أنصار الثورة السورية بصورة خاصة، وفي الأوساط الثقافية والفكرية العربية بصورة عامة. ومصدر هذا الجدال والاختلاف هو المقارنة بين الجانب العلمي والفكري الذي يمتلكه الرجل، مما يضعه في مصاف العلماء الكبار، وبين الجانب السياسي؛ إذ عُرف الرجل خلال حياته بممالأة نظام الأسد الأب والابن. إلاّ أنّ أكثر المواقف (الصادرة عن الرجل) سوءاً لدى السوريين عموماً، هو هجومه على الثوار والتنديد بهم في خطب الجمعة، ما اعتبروه بصورة غير مباشرة "فتوى مفتوحة" للنظام بالبطش والتنكيل بالمتظاهرين!
الموقف من مقتل البوطي تباين حتى بين فقهاء وعلماء الأردن. إذ قرأنا "تصريحات" على حائط (فيسبوك) وزير الشباب السابق والداعية محمد نوح القضاة، عن أنّه كان مهدّداً من نظام الأسد، وكان أهله رهائن لدى النظام. وكذلك تصريحات للدكتور شرف القضاة التي يثني فيها على علمه، لكنّه ينتقد فيها مواقفه الموالية للأسد، وهي الظاهرة للجمهور، أمّا ما في نيّة الشيخ وما تخفيه العمامة من أفكار وأسرار، فهو عند الله!
ثمة مبررات للاختلاف والنقاش حول الموقف من البوطي. لكن الأهم أنّنا يجب ألاّ نختلف على تجريم ورفض عملية الاغتيال التي حدثت، وهو الموقف الجيّد والحضاري الذي أبداه معاذ الخطيب وأعلنه الجيش الحرّ؛ فما حدث مدان وغير مقبول، إذ إن مواجهة الفتوى والعلم والفكرة لا تكون بالقنبلة والسلاح ولا بالحزام الناسف، أيّاً كان الفاعل، بل بالفتوى والعلم والفكرة.
هذا في الموقف الأخلاقي والإنساني الوطني. لكن من زاوية أخرى، يمثّل البوطي نموذجاً للعلماء والفقهاء الذين "تذاكوا" في العلاقة مع السلطة السياسية، فاختاروا المراوغة والتقية في محاولة لجلب المصالح الممكنة، بدلاً من القطيعة أو المواجهة، كما حدث في الصدامات التي وقعت بين الإخوان والبعث في سورية بداية من الستينيات وصولاً إلى الذروة في بداية ثمانينيات القرن الماضي، وأسفرت عن عشرات الآلاف من القتلى والمشرّدين والمفقودين!
بالضرورة، لا تقوم معادلة جميع الفقهاء على الموازنة بين المصالح والمفاسد، فهنالك من لهم مآرب شخصية ومصالح ذاتية علت فوق الاعتبارات الدينية والسياسية. إلاّ أنّنا لو تخلّصنا من الضغوط السياسية، والزاوية الحرجة التي يقف فيها العلماء والفقهاء ما بين خيار المواجهة السياسية وكلفتها عليهم وعلى الرأي العام، وبين مهادنة السلطة وكلفتها الرمزية والسياسية والإنسانية، لخرج العلماء (في حقول المعرفة المختلفة) إلى فضاء واسع من الفكر والعلم والعطاء السياسي والمعرفي!
لو تغيّرت الظروف السياسية والتاريخية، لوجدنا حالاً مختلفة ومغايرة بالكلية، وربما المقارنة بين حالة الأزهر في عهد حسني مبارك، وبين حالته اليوم، تعكس هذه الفرضية بوضوح. إذ عندما تحرر الأزهر من ضغوط الدولة والأمن التي تحسب عليه أنفاسه، ساهم خلال فترة وجيزة بدور إيجابي وحضاري بنّاء في المرحلة الانتقالية، وقدّم وثائق متقدّمة، وطوّر من دوره وحضوره، وحتى من بنيته الداخلية، وهي القضية التي يجب أن نضعها في الاعتبار عندما نحاكم ونسائل العلماء والمثقفين.
مهما كانت الاختلافات السياسية كبيرة ومشروعة، فالموقف يجب أن يكون واضحاً بحماية العقول العلمية. وربما ما حدث من "تفريغ صامت" (قتل وتهجير وشراء) لعلماء العراق في الفيزياء والذرّة، وكل عقوله المبدعة بعد الاحتلال، يمنحنا مؤشّراً رئيساً على هذه القيمة الكبرى للعلماء والمفكرين والمثقفين بعيداً عن الظرف السياسي القاتل.
لا يستوي العلماء والمفكرون والمثقفون المناضلون، ممن اختاروا طريق الكفاح من أجل الحرية، بمن تراخوا واختاروا طرقاً أسلم ومهادنة، لأسباب براغماتية أو حتى شخصية. لكن هذا وذاك يقع تحت مطرقة ظروف سياسية قاسية!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد