لم تدم أجواء الحماسة والتحدّي والإصرار على التغيير طويلاً في الأوساط النيابية؛ إذ سرعان ما أدرك مجلس النواب الجديد صعوبة القفز عن "الفجوة" الواسعة بين ما هو مطلوب منه خلال الاستحقاقات الدستورية والسياسية الجديدة من جهة، والإمكانات المتواضعة والمحدودة لدى الكتل النيابية التي ظهرت سافرة خلال المدّة القصيرة المحدودة منذ بدء عمل المجلس، من جهة أخرى!
اصطدم النواب -أولاً- بإشكالية اختيار رئيس مجلس نواب. وبالرغم من دعوات التغيير والإتيان بوجوه جديدة، فإنّ النتيجة كانت أحد الرؤساء المخضرمين السابقين؛ سعد هايل سرور، بعد أن أشبعوا الرؤساء السابقين شتماً!
ثم جاءت عملية تسمية رئيس حكومة. وتخبّط فيها النواب بصورة ملحوظة، وارتبكوا. وفي النهاية، لم يستطيعوا التوافق إلاّ على رئيس الوزراء الحالي د. عبدالله النسور، بعد أن تكسّرت بعض الكتل، وتباينت مواقف النواب داخل الكتل نفسها، ففشلوا بامتياز في الامتحان الثاني!
الامتحان الثالث تمثّل في مشاورات تشكيل ما يفترض أنّها "حكومة برلمانية"، ولم تكن الحال أفضل، بل أسوأ كثيراً. إذ بعد أسبوعين من المفاوضات مع الرئيس، لم يستطع النواب التوصّل إلى "معادلة" مقنعة للشارع، تكرّس تقاليد جديدة؛ إذ اختلفوا فيما بينهم، وداخل الكتلة نفسها، على "توزير" النواب، ولم يتوافقوا على تسمية وزراء لهم حضورهم وكفاءتهم، ووجدوا أنفسهم في نهاية اليوم أمام فرض الرئيس شروطه على المجلس لا العكس، لأنّ المجلس في حالة من التشظي والفسيفسائية والعجز عن تقديم تصوّرات سياسية ناضجة.
اليوم، تبدو نخبة من النواب كانت "تشعّ" نشاطاً وتفاؤلاً، في البداية، وتطالب الشارع بالانتظار وعدم التسرّع في الحكم على المجلس الجديد، هي نفسها قد وقعت ضحية الإحباط وخيبة الأمل والشعور بالفشل المبكّر، بسبب تلك الفجوة بين سقف التفاؤل المرتفع وضعف الإمكانات السياسية للمجلس!
يتساءل هؤلاء النواب عن خيارات المجلس في التعامل مع الحكومة "التي لم يشارك بأي صورة فاعلة فيها، بالرغم من المفاوضات الوهمية"..
يقول أحدهم: "إذا حجبنا الثقة عن الحكومة، فسنحقق اختراقاً شعبياً، ونسجّل نقاطاً. لكننا نعرف بعدها أنّنا أضعف من أن نتفق على شخصية بديلة، وسيأخذ منا ذلك فترة طويلة أخرى في لحظة سياسية حرجة، ما يرفع من منسوب الاحتقان والإحباط العام"!
وتقول نائب، لها حضورها اللافت: "ربما لا يشعر أغلب النواب بالارتياح لمشاورات تشكيل الحكومة. لكن في نهاية اليوم، لا نتوقع أنّ المجلس وصل إلى مرحلة من القوة والنضج والتحرّر من التأثيرات الخارجية، بما يمكّنه من فرض شروطه على الرئيس أو حجب الثقة عنه؛ فمن الواضح أنّنا سنبقى جزءاً من المسرحية بدون فعل حقيقي"! 
المؤشرات الأوّلية الصادرة عن المجلس خلال المخاض الحالي لا تبدو مشجّعة، ولا تدفع إلى الشعور بأنّه يستطيع تغيير الصورة النمطية التي تشكّلت خلال السنوات الماضية. فالمجلس فشل في تقديم أداء مقنع ومُرضٍ في المحطّات المهمة الماضية، وينزلق شيئاً فشيئاً إلى المصالح الفردية والاعتبارات الإقليمية، ما يعيده إلى المربع الأول؛ أيّ حالة المجالس السابقة!
بالضرورة، ثمة نخبة واسعة من النواب الذين يدركون خطورة هذا المشهد، ولديهم قلق من إعلان الفشل المبكّر، لكنّهم يشعرون بأنّ الامتحانات التي مرّ بها المجلس بدون أن يكون معدّاً لها صعّبت مهمة تقديم نموذج مختلف لدى الرأي العام؛ إذ كان شرط ذلك هو ترتيب البيت الداخلي، وتصليب الكتل السياسية. وهي ملاحظات صحيحة، لكنّها تقفز عن حقيقة مرّة، تتمثّل في أنّ قانون الانتخاب كان الجرثومة التي عطبت المجلس قبل أن يبدأ!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد