تشكو الحكومات دائما من ارتفاع فاتورة الرواتب والتقاعد في الموازنة العامة للدولة. وحتى عندما تفكر بزيادة رواتب المتقاعدين فإنها تمارس الترشيد بحجة ان الزيادة سترفع فاتورة التقاعد في الموازنة. وهذه مخاوف مشروعة الان، لكنها أيضا نتيجة خطأ كبير ارتكبته الحكومات منذ عقود وعقود.
أصل الحكاية ان العاملين في الجهاز المدني والعسكري يتم اقتطاع جزء من رواتبهم كعائدات تقاعدية، تماما مثلما يدفع الموظف الان اشتراك الضمان الاجتماعي. والاقتطاع من رواتب العاملين في الجهازين المدني والعسكري يتم منذ بداية عهد الدولة؛ بمعنى ان موظف القطاع الرسمي كان يقدم اشتراكا ليجده عند تقاعده، لكن خطأ الحكومات انها كانت تأخذ ما تقتطعه شهريا من عائدات التقاعد وتعطيه للخزينة، اي يتم صرفه ضمن الموازنة والمصاريف الشهرية واليومية للدولة؛ فخطأ الحكومات الاستراتيجي هو انها لم تتعامل مع عائدات التقاعد بشكل منهجي وايجابي. وعاما بعد عام، ومع تزايد اعداد المتقاعدين من المدنيين والعسكريين، بدأت الحكومات تشعر بعبء المخصصات المقدمة للتقاعد من الموازنة، وبدأت تشتكي بسبب ذلك.
ولعل دخول فكرة الضمان الاجتماعي حيز التنفيذ، ثم ضم موظفي الدولة، من مدنيين وعسكريين، الى مظلة الضمان بدأ يخفف فاتورة التقاعد خلال العقود القادمة، لكن ما يزال العبء قائما ممن كانوا تحت مظلة قانون التقاعد، او ممن ما يزالون عاملين ويشكلون جزءا من قانون التقاعد.
ما كان يجب ان يتم هو اعطاء حالة استقلال لعائدات صندوق التقاعد المدني والعسكري، وعدم تحويلها الى الانفاق اليومي؛ بحيث تكون هنالك صناديق مستقلة يجري استثمارها وتعظيم مكاسبها، ما يعني عدم تحميل موازنة كل عام فاتورة التقاعد. وهذا الامر كان سيشبه فكرة الضمان الاجتماعي وعائداته التي يجري استثمارها بشكل مستقل، لكنها خطيئة ادارية واقتصادية تاريخية ندفع ثمنها الان.
ربما ما كان لا يمكن تصحيحه، لكن هل من الممكن ان تبادر الحكومة الان الى اعطاء الاستقلال لعائدات التقاعد وجعلها في صندوق مستقل بعيدا عن قرارات الصرف والانفاق اليومي والشهري؟ واذا كانت الارقام دقيقة، فانه يوجد الان اكثر من 50 ألف عامل في اجهزة الدولة ممن يخضعون لانظمة التقاعد، وهو رقم كبير يقدم كل شهر اشتراكات واقتطاعات، واذا كانت الحكومة جادة في معالجة مشكلة ارتفاع فاتورة التقاعد، فيمكنها ان تذهب -ولو خطوة جزئية- إلى ادارة عائدات التقاعد، بحيث تغطي ولو نسبة من فاتورة التقاعد، اما استمرار الشكوى فلا يحل المشكلات وإنما قد يعظمها من دون ان نذهب خطوة بالاتجاه السليم.
ولعل من الاقتراحات الجزئية معالجة مشكلة التقاعد الشاهق الذي تناله بعض الفئات، والذي جاء نتيجة تعديلات تشريعية. فمثلا، تعطي التشريعات اعضاء مجلس الامة تقاعدا وزاريا في حال اكتساب عضوية المجلس، بغض النظر عن الخدمة السابقة؛ اي ان حلف اليمين يعطي النائب او العين تقاعدا وزاريا، وتكون الخدمة في الحد الاقصى 4 سنوات. كما ان القانون يعطي لعضو مجلس الامة حق تعديل تقاعده بمجرد دخوله المجلس؛ فان كان النائب، مثلا، موظفا متقاعدا براتب 250 دينارا، فانه بمجرد دخوله المجلس يحصل على تعديل لتقاعده ليصبح تقاعدا وزاريا. وحتى الوزراء فان دخول اي شخص للحكومة وزيرا، ولو لعدة اشهر، يعطيه تقاعدا حده الادنى حوالي 700 دينار، وكلما زادت خدمته السابقة في الجهاز الحكومي ارتفع التقاعد.
ومع تقلب مجالس الاعيان والنواب، وتغير الحكومات، فان هذه الامور تشكل احد مصادر زيادة عبء الفاتورة التقاعدية، بخاصة وان تقاعد الواحد من هؤلاء المسؤولين يعادل تقاعد 5 او 6 موظفين. فضلا عن ان هذه التشريعات تحمل انحيازا سلبيا لهذه الفئات. فالموظف يقضي 30 عاما ليحصل على 250 دينارا تقاعدا، فيما الوزير او النائب يقضي شهورا او بضع سنوات ويحصل على تقاعد وزاري. وكان يمكن اشتراط خدمة النائب 10 سنوات، مثلا، لاعطائه التقاعد بدلا من الوضع الحالي.
يضاف الى هذا ان للسادة النواب والاعيان حق الجمع بين الرواتب التقاعدية الكبيرة ورواتب عضوية المجلس التي تسمى "مكافآت"، فيما يحرم الموظف من حق الجمع بين تقاعده واي وظيفة في الجهاز الحكومي (اعطي المتقاعدون العسكريون مؤخرا استثناء لمن تقل رواتبهم التقاعدية عن 300 دينار).
بدلا من ان تستمر الحكومات في الشكوى من ارتفاع فاتورة التقاعد عليها الذهاب نحو حلول، حتى وان كانت متأخرة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة