دعم السياحة وإشاعة أجواء الفرح جزء من احتياجات كل مجتمع ودولة، والبحث عن مظاهر احتفالية لتجديد الحياة أولوية للفرد والمجتمع، لكن هذا ليس على اطلاقه، ولهذا فإن فكرة "المنسف العظيم" الذي ستقيمه بعض الفعاليات في محافظة مأدبا، للسعي لدخول كتاب غينس فيها الكثير من قلة الشغل، والإسراف الذي لا يتناسب مع احوال مأدبا والاردن.
بالمناسبة فإن كتاب غينس للأرقام القياسية لا يضم الأشياء المبدعة بل الأمور الغريبة، فيمكن لشخص أن يقف على قدم واحدة (10) ساعات ويدخل هذا الكتاب، أو أن ينظف ألف صحن في ساعتين فيدخل سجل الارقام القياسية، ولهذا فالعبرة ليست في أن ننجز شيئا غريبا، بل جديدا ومبدعا.
ليست خدمةً للأردن أن نقول للعالم إننا مبدعون في طبخ اكبر منسف. فهذا لو حدث فإنه سيعني خبرا "طريفا" في الفضائيات ُيقابل من المشاهدين بالضحك والتندر، او خبرا في ملاحق المنوعات او الصفحات الاخيرة للصحف، وهذا كله بثمن باهظ لأن الجهات التي ستمول (بناء) المنسف العظيم ستدفع حوالي (150) ألف دينار اردني، اي حوالي (200) ألف دولار، وسيحمل الخبر التلفزيوني والصحافي أن الاردنيين انفقوا (200) ألف دولار حتى يقال انهم (مبدعون) في طبخ اكبر منسف!
وللتوثيق فإن معلومات المنسف التاريخي تقول انه سيتم طبخ (5) آلاف كيلو لحمة و(2500) كيلو رز و(2500) كيلو لبن مخيض و(1000) كيلو لبن جميد و(980) كيلو من الصنوبر و(1750) كيلو لوز, و(150) كيلو سمنة نباتية و(65) كيلو سمنة بلدية و(35) ألف رغيف شراك، وهذه الكميات الضخمة من المواد الغذائية ستكلف مع طبخها (146) ألف دينار، يضاف اليها تكاليف إدارية عند الاحتفال من شرطة وعمل الدوائر الاخرى.
هذا الكرم من الشركات الداعمة او الجهات الرسمية لهذا العمل يفترض توجيهه في محافظة مثل مأدبا الى اولوياتها، وإذا كان لدى القطاع الخاص او الحكومة مال لإنفاقه فيمكن أن يوجه إلى مساعدة الطلبة من أبناء الفقراء، او اقامة مشروع اقتصادي يوفر عددا من فرص العمل، او بناء مساكن لعائلات معدمة. وأتذكر هنا ان كلفة كل بيت من التي يبنيها الديوان الملكي للعائلات الفقيرة حوالي (5000) دينار بعد توفر الارض من اراضي الدولة، اي ان تكلفة المنسف يمكن ان توفر (30) بيتا لأسر فقيرة، وهنالك خيارات عديدة يمكن أن تخدم قرى مأدبا وذيبان بدلا من عمل استعراضي لا يخدم سياحة وبتكلفة خيالية، بل سيجلب علينا التهكم تماما مثلما استقبل الكثيرون "انجازا" لدولة شقيقة احتفلت قبل سنوات بدخول كتاب غينس عندما طبخت اكبر "كبسة"، ويومها حظيت بخبر في الصحف و(20) ثانية في بعض الفضائيات، وبالكثير من التندر والسخرية والتعليقات الساخطة.
المنسف المنتظر سيكفي نظريا لإطعام (13) ألف شخص، لكن عمليا سيكون الاكل للمحتفلين والحضور، والغاية ليست توفير الطعام لهذا العدد بل التصوير، وكثير من الحضور هم نخب يأتون للمشاهدة، اي سيتسلى اهل المشروع والحضور بتكلفة مقدارها (150) ألف دينار فقط لا غير.
لنبحث عن ابداعات وإنجازات تعطي للأردن والأردنيين صورة ايجابية. ولننفق اموالنا كقطاع خاص وحكومة فيما يجب وحيث يعود بالنفع على الناس. فالأردن ليس جميدا ومخيضا وخبزا صاجا. ومن أراد أن يخدم الأردن فليقدمه بشكل ايجابي وبما يليق، لا كأننا نعيش في ترف ننفق مئات الألوف في طبخ ونفخ وهدر لكل هذه الكميات حتى ندخل كتابا يبحث عن دخوله رجل يبقى مستيقظا (5) ايام، او غيرها من الاشياء الغريبة وليست المبدعة.
عندما تكون مأدبا مثل جنيف فلتفكر بعض فعالياتها بترف الطبخ والتصوير، اما وهي مدينة اهلها بحاجة الى كل عون وقراها ينقصها الكثير فإن هذا الطبيخ المشترك بين الحكومة والقطاع الخاص جزء من قلة الشغل التي تعلم التطريز.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة