وصفت حركة "ذبحتونا" ما حدث في جامعة مؤتة من مشاجرة كبيرة، وأحداث آلت إلى إصابات ومآس، ووفاة الطالب أسامة دهيسات (سنة رابعة هندسة)، بأنّه يوم أسود في تاريخ التعليم الأردني، ودعت إلى الحداد على روح الفقيد رحمه الله.
ما نقلته المواقع الإلكترونية عن صور أسامة وحياته وأصدقائه، زاد من فجيعة الأردنيين على هذا الشاب وتعاطفنا جميعاً مع أسرته. لكن ما كان أشدّ إيلاماً لنا، هي الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت على هذه المواقع لمشاجرة مؤتة الأخيرة، والأسلحة المستخدمة؛ كما للمشاجرات السابقة. وهي ظاهرة تكرّست في الجامعات، وتعكس في جوهرها انهياراً كاملاً في مفهوم الجامعة ومهمتها ودورها، وتنذر بأنّنا أمام أجيال كاملة تمّ تحطيمها معرفياً وثقافياً وأخلاقياً، وجامعات وصلت إلى حافّة الهاوية، وأصبح الوقت متأخرا على إصلاحها وتصحيح أوضاعها!
هو ليس يوماً أسود فقط، بل أيّام سوداء يعيشها التعليم العالي في الأردن، وحالة لم يعد السكوت عليها ممكناً؛ فنحن نقامر بمستقبل أجيال جديدة، في الوقت الذي أصبح فيه توصيف المرض معروفاً للجميع، وجذور المشكلة واضحة، واجترار وتكرار الحديث عن ذلك بمثابة إضاعة للوقت والجهد. إذ وُضعت استراتيجيات ووثائق، وعقدت خلوات وندوات، وأسيل حبر كثير في نقاش الأزمة والحل، لكننا ما نزال نسير إلى وراء والمشكلة تتجذّر، والدولة تبدو عاجزة تماماً عن اتخاذ خطوات حقيقية في الاتجاه المعاكس لذلك!
السؤال، الآن، برسم الإجابة من رئيس الوزراء د. عبدالله النسور، ووزير التعليم العالي د. أمين محمود، هو: لماذا لم نبدأ العمل فعلياً لتنفيذ التوصيات الواضحة المعروفة لإنقاذ التعليم العالي، ورسم خريطة طريق صارمة؟
الجواب يكمن في ثلاثة جوانب: الأول، يتمثّل في عدم بلوغ الإدراك الرسمي إلى المستوى المطلوب لإدراك حجم الكارثة الواقعة في الجامعات. والثاني، عدم وجود إرادة صارمة وقرار حاسم ببدء الاستدارة وإنقاذ التعليم، برغم أنّ الوقت يمرّ، والعلاج يصبح أصعب وأكثر تعقيداً. والثالث، أنّ الانهيارات التي تحدث في الجامعات هي جزء ممّا يحدث في المجتمع، وليست نشازاً عنه؛ فصعود الهويات الفرعية، وانتشار البلطجة والسلاح، والتعدّي على القانون، والاحتماء بالانتماءات البدائية، كلّ ذلك أصبح ظاهرة عامة، ومنطقاً سياسياً سائداً للأسف، نجده في البرلمان والجامعات والمجتمع، وحظي برعاية رسمية متخلّفة وعاجزة عن إدراك ما تسبّبه من تدمير لمؤسساتنا وقيمنا وإنساننا!
الاقتراح الذي أقدّمه لرئيس الوزراء والدكتور أمين محمود، وأتمنّى أن يجد أذناً صاغية وتفكيراً وتطويراً، هو أنّ الوقت قد حان لتشكيل مجلس من الحكماء لإنقاذ التعليم العالي، أولاً بتحديد أعراض المرض وأسبابه، ثم ترسيم خريطة الطريق لتغيير المسار، والإشراف على ذلك. وهو ما يتطلب بالتأكيد خطوات ثورية صارمة، تحظى بدعم كامل من صاحب القرار نفسه.
أقترح أن يُمنح المجلس صلاحيات كبيرة وواسعة، وفق قانون يسنّ لذلك، وأن يضم القيادات التي أسست الجامعات ولعبت دوراً حيوياً فيها، أو التي لها سمعة ومصداقية كبيرة في مجال التعليم والبحث العلمي، من أمثال د. محمد عدنان البخيت،
ود. كامل العجلوني، ود. محمد أبو قديس، ود. وليد عبدالحيّ، ود. وليد المعاني، ود. فهمي جدعان، ود. إسحق الفرحان وغيرهم من قيادات؛ فتُعهد إليهم مهمة استرجاع الجامعات وعلاجها، في السنوات المقبلة.
نرجو ألا تكون وفاة أسامة بمثابة مرحلة جديدة من مراحل العنف الجامعي، فيكون هذا الشاب الفقيد هو الأول وليس الأخير. وإذا لم نبدأ اليوم، فأخشى أننا غداً لن نستطيع ذلك!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد