قبل أيام قليلة، دشّنت شركة الطيران التركي خطّاً جديداً ما بين اسطنبول والعقبة، بواقع ثلاث رحلات أسبوعياً، وبسعر مغرٍ. وتشير توقعات الشركة إلى إمكانية مضاعفة عدد هذه الرحلات إلى واحدة يومياً، خلال الأشهر المقبلة.
خبراء اقتصاديون يشيرون إلى أنّ الخطوط الجوية التركية تهدف من وراء تدشين الخط الجديد إلى تسويق العقبة والبتراء مع اسطنبول والمدن التركية الأخرى، بعدما وجدت أنّ عدداً كبيراً من السياح الأوروبيين يضعون ضمن جولاتهم السياحية إلى المنطقة زيارة كل من العقبة والبتراء، فقرر الأتراك الاستفادة من هذه القيمة السياحية والاقتصادية لهذه المدن، وتوظيفها بما يخدم البرامج السياحية التي تقوم بها شركات السياحة التركية؛ ما يعني -في المحصلة- توظيف الشركات التركية للمناطق السياحية الأردنية لمضاعفة أرباحها وتحسينها.
مع فرق التشبيه والحالة طبعاً، يذكّرنا ذلك تماماً بالشركات الإسرائيلية التي كانت تضع المناطق السياحية الأردنية لتسويقها ضمن الرحلات التي تقوم بها إلى المنطقة، وتضع برامج سياحية بما يضمن إقامة السياح في "إسرائيل" لجني أكبر قدر ممكن من الأرباح والفوائد، مع تقليص مساحة الاستفادة الأردنية إلى الحدود الدنيا!
هذا إذا كان يعكس شيئاً أساسياً، فهو خيبتنا وفشلنا الذريع الممتد إلى الأعوام الماضية. فنحن عالة على الآخرين حتى في تسويق مواقعنا السياحية، بدون أن نجد منافسة حقيقية فاعلة من القطاع الخاص، ولا حتى تصوّرا حكوميا استراتيجيا لاستثمار الثروة السياحية الهائلة التي لا تقتصر على العقبة والبتراء، بل تضم عشرات المواقع الأثرية والطبيعية الرائعة والمهمة، لكنّها تفتقر إلى الإدارة السياحية الفاعلة، وإلى التمويل الحكومي المطلوب ابتداءً لإنعاش هذا الرافد الاقتصادي الحيوي.
الحالة نفسها يمكن التقاطها، من زاوية أخرى، في قرار وزارة العمل وقف استقدام العمالة الوافدة، بعدما أغرقت السوق المحلية بها. وهو قرار ممتاز ومهم، ويرتبط بدرجة رئيسة باستراتيجية التشغيل الوطنية، لكنّه قرار متأخر، ومرتبط بظروف راهنة، تتمثّل في الفوضى الحالية!
ووفقاً لما نقرأه من أرقام، هنالك قرابة 800 ألف عامل مصري شقيق، نسبة كبيرة منهم مخالفة لشروط التوظيف. وتتحدث أوساط حكومية عن ما يزيد على 100 ألف شقيق سوري دخلوا إلى سوق العمل الأردنية خلال الأشهر الماضية، وأصبحوا ينافسون الأردنيين والعمالة الأخرى، ويقبلون ما دون الحدّ الأدنى للأجور من أجل ضمان لقمة عيش كريمة.
إذا أضفنا إلى هذه الأعداد الهائلة من العمالة الوافدة عاملات المنازل، اللواتي يقارب عددهن 75 ألف عاملة، بحدود 50 ألفا منهن حاصلات على تراخيص عمل، فإنّ مجمل العمالة الوافدة في الأردن يصل إلى حدود المليون؛ في بلد فقير الموارد، ويعاني من ارتفاع معدلات البطالة والفقر!
في المقابل، هنالك مئات الآلاف من العمالة الأردنية المهنية في الخارج. وتبدو المفارقة هنا في أنّ أغلب هذه العمالة الأردنية هي من الطبقة المتعلمة المهنية المدرّبة الكفؤة، بينما أغلب العمالة العربية لدينا حرفية، ليست متعلمة.
أغلب نسب البطالة في الأردن هي بين الفئة المتعلمة من أصحاب الكفاءات والشهادات، وهي التي تفضّل مهناً قريبة من تخصصاتها، ما يخلق فائضاً كبيراً عن الحاجة في مهن معينة، وعزوفاً طوعياً في أحيان، وقسرياً في أحيان أخرى، عن مهنٍ معيّنة، تسدّها العمالة الوافدة.
بالنظر إلى القضيتين السابقتين؛ إدارة الشأن السياحي وسوق العمل، فإنّ ما نحتاجه هو فقط مستوى عالٍ من التخطيط المركزي والإدارة الذكية للموارد الوطنية، الطبيعية والبشرية، وقيادات اقتصادية وإدارية كفؤة، فهي قادرة على إحداث نقلة نوعية خلال أعوام قليلة، طالما أنّ الفرص والإمكانات ليست بعيدة المنال!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد