أسوأ ما كانت تتوقعه الحكومة هو ما حدث أول من أمس تحت قبة البرلمان. إذ فجّرت أحداث إربد يوم الجمعة الماضي (فض مسيرة المعارضة بالقوة) جلسة بيان الثقة، عندما طالب نواب بمناقشة الأحداث قبل الاستماع إلى خطاب رئيس الوزراء، ما أثار لغطاً وجدلاً واسعين، انسحب خلالهما نواب كتلة الوسط الإسلامي، وطالب النائب حسني الشياب الحكومة بالاستقالة!
بعد أن نجحت الحكومة في التخفيف من حدّة المزاج النيابي تجاهها، بجهود هائلة من الوزراء، جاءت الأحداث الأخيرة لتسخّن الأجواء وتوتّرها، ومع كتلة الوسط (التي كانت من الداعمين لترشيح النسور)، وتضع "ما جرى في إربد" (بما يحمله من صورة سلبية ومستفزة)، على طاولة نقاشات الثقة وحساباتها.
رئيس الوزراء استطاع (كالعادة) بـ"حرفيته" المشهودة في فنّ الحديث واحتواء الانفعالات، تجنّب منزلق كبير، عندما اصطدمت كتلة الوسط برئاسة المجلس، وقوطع الرئيس ووزير الداخلية، فخفّف الرئيس من وقع ذلك عندما انضم إلى الصوت الرافض لما حدث، ولم ينجر إلى اتهام الإخوان وشتم الأجندات الخارجية المدفوعة (كما دأبت الرواية الرسمية الهشّة سابقاً)!
ربما ما يجدر الوقوف عنده هو أنّ الرئيس شكّل لجنة وزارية للنظر فيما حدث، ولم يكتفِ بالقبول بتحقيق داخلي في جهاز الأمن العام والدرك، مشيراً إلى أنّهما كانا طرفاً في القضية، فلا يجوز أن يكونا حكماً فيها. وهي ملاحظة مهمة، برغم أنّ وزير الداخلية يعتبر طرفاً بمسؤوليته عن الأجهزة الأمنية (على الأقل رسمياً ونظرياً).
وبرغم أنّنا لا نتوقع شيئاً كالعادة من هذه اللجان (مع الاحترام للأشخاص المعيّنين)، إلاّ أنّ تشكيل لجنة وزارية ربما يكشف -من زاوية أخرى- عن شكوك جديّة (في الأوساط الحكومية)، ويطرح أسئلة عن الأسباب التي تفسّر ما وقع بالقرب من ميدان وصفي التل في إربد. فإذا كانت الحكومة غير مستفيدة، ووزير الداخلية الجديد (مدير الأمن العام سابقاً) تضرّر هو الآخر، فمن الذي دفع بهذا الاتجاه الفاشل؟!
النتيجة، كالعادة، هي أنّ الحكومة خسرت الصورة الإعلامية –بامتياز- داخلياً وخارجياً. بل وأدّت الصور والأفلام المصوّرة المنقولة إلى استياء وغضب واسعين، تحديداً ما حدث مع الناشط باسم الروابدة وابنه. وفي هذه الصورة، أيضاً، ظلمٌ شديد لجهاز الأمن ودوره، وما تحمّله خلال العامين الماضيين (عموماً، مع بعض الاستثناءات)، وضربة قاسية لمصداقية الرئيس الذي التزم، منذ أن قدم، بحماية المسيرات السلمية وتعهّد بذلك مراراً، ونجح بصورة كبيرة في الحدّ من ظاهرة "البلطجة" (أو ما يسمى بالموالاة، وفي الصورة أيضاً إساءة لمفهوم الموالاة ولشرعية التيار الذي يدافع عن الوضع القائم، ويختلف مع المعارضة الإسلامية وغيرها!).
رواية الأمن العام الهشة -كالعادة- ضاعفت من ضعف موقف الحكومة؛ فقصة الاشتباك بين مجموعتين لا تنطلي على الرأي العام. وفي النتيجة، ثمة ما يجب القيام به لتفسير ما حدث، وما تسبّب به من أضرار للحكومة نفسها قبل غيرها، ليست مبرّرة ولا عقلانية، لا في المضمون ولا في التوقيت.
من الواضح أنّ قراراً كان اتخذ بعدم وصول المعتصمين إلى ميدان وصفي التل. وهو قرار لا يمكن تفسيره وتبريره، مقارنةً بالنتائج السلبية المترتبة عليه، إذا كان المتظاهرون أعلنوا عدم نيّتهم "إقامة اعتصام مفتوح". وحجم المسيرة والمسيرات الأخرى جميعاً لا يخرج عن المألوف ولا يقلق، فما الداعي لكل ما حدث؟ ومن المستفيد ومن الخاسر؟!
أحد التفسيرات أنّ "التطوّرات الميدانية" هي التي قادت إلى هذه الصورة السلبية. وذلك يضع المسؤولية مباشرةً على عاتق مدير الأمن العام ومدير الدرك الجديدين، ومن ورائهما وزير الداخلية (أدبياً وسياسياً). أمّا إذا كان هنالك قرار أعلى من الجانب الميداني، وكان الرئيس كما تؤكّد أوساطه لا يعلم به، فإنّ السؤال هو عن أبعاد هذا القرار ودلالاته، وتوقيته الذي لم يرحم الحكومة في لحظة صعبة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد