صفّق اعضاء الكونغرس الاميركي بحرارة للملك مساء امس، وهو يلقي خطابه. هو تصفيق تقرأه أي دولة مكانة واحتراما وحضوراً في عاصمة أميركا. لكن الأمنية والرسالة الاردنية والعربية ليست بالحصول على إعجاب مراكز القوى وصناعة القرار في واشنطن، بل بأن يكون التصفيق عنوانا للقناعة، وعاملا مؤثرا في صناعة القرار الاميركي. فأميركا هي مصدر الاحتلال والانحياز الظالم لاسرائيل، يمكن أن تكون مصدراً للسلام وصناعة الحياة في المنطقة والعالم.
من العبارات الجوهرية، في حديث الملك، إشاراته إلى ان غياب العدالة في القضية الفلسطينية هو مصدر المشكلات في المنطقة. هذه المشكلات ليست فقط بالنسبة للعرب والمسلمين، بل حتى لأميركا واسرائيل. فالعرب وارضهم وحقوقهم والشعب الفلسطيني تحت القمع والاحتلال والحصار، كذلك فإن اسرائيل، ورغم قوتها العسكرية وجبروتها، لا تشعر بالأمن فهي دولة الخوف والرعب، ولهذا فغياب العدالة وسيادة الاحتلال ألحقا ظلما بالأمة وصنعا رعبا لدولة الاحتلال.
ما يطلبه العرب والفلسطينيون هو العدالة في السياسة الاميركية، وتغير العقود والظروف جعل كل الدول العربية تجمع على مفهوم العدالة النسبية، كما نصت عليها قرارات الامم المتحدة. بما في ذلك الحكومة الفلسطينية المنتظرة، وعدالة الشرعية الدولية ظالمة، لانها حرمت الامة من بعض حقوقها، لكن موازين القوى وتغير القناعات، جعلا هذه العدالة مطلبا، ومن يرفض هو الطرف المحتل ومعه الولايات المتحدة. فالعدالة من وجهة نظر هذين الطرفين هي منطق القوة والامر الواقع، ولهذا تفاقم الصراع ودخل الظلم من مستوى الى آخر، حتى اصبحت القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني الأب الشرعي لكل التوتر في المنطقة والاقليم.
ليس متوقعا من الولايات المتحدة أن تصبح طرفا عربيا، لكن سياستها الحالية تجعلها تنتقل شيئا فشيئا الى صف لا يقل عن مكانة اسرائيل كعدو. امام اميركا فرصة كبيرة في ان تذهب باتجاه المساعدة في صناعة عدالة ولو نسبية، اما اذا بقيت في صف السياسة الاسرائيلية، فإنها لن تحقق الامن لحليفتها، كما انها لن تحفظ لنفسها أمنا، ولمصالحها استقراراً.
الاردن من الدول الصديقة للولايات المتحدة وصوت الأردن الذي يقدم كنصيحة للادارة الاميركية يفترض ان يجد اذانا صاغية، وان يترجم التصفيق والاعجاب الى خطوات وسياسات. فاسرائيل تبحث عن مصالحها عبر استخدام النفوذ الاميركي، والعقائدية الصهيونية توجه وتحكم المحافظين الجدد وهم جنود للمشروع الصهيوني، وعلى قادة اميركا في الكونغرس والادارة ان يدركوا أن مصالحهم ايضا مع العرب، وحتى لو كانوا يحصلون على مصالحهم الآن بالضغط وعبر ميزان القوى المختل، لكن كل هذا ليس قانونا او حالاً له ديمومة.
السلام في فلسطين والعراق واجب اميركا، اذا ارادت ان تحافظ على مصالحها. اميركا، التي تتحدث عن الاعتدال، وتسعى لايجاد معسكر عربي معتدل عليها ان تمارس سياسة معتدلة فيها عدل، ولو نسبي، مستندا الى منح الشعوب المحتلة حقها في السيادة والاستقلال والدولة المستقلة الحقيقية، اما استمرار سياستها الحالية فسيلحق الضرر اولا باصدقائها في المنطقة، ولن يجلب سلاما لحليفتها اسرائيل.
المشروع الاميركي في المنطقة ليس قائما على الديمقراطية والتعايش، بل على الدبابات والقتل والاحتلال، وستجد نفسها يوما بلا أصدقاء وربما لن تجد معتدلين.
الصوت الاردني الذي تحدث به الملك يجب ان يقابل من دوائر صنع القرار في اميركا بالاستجابة ورفع الظلم واعادة الحقوق، اما اذا بقيت الاذن الاميركية مفتوحة فقط للمصلحة الصهيونية واصوات المحافظين الجدد، فقد لا تمر سنوات طويلة حتى تجد واشنطن نفسها مهزومة بلا أصدقاء وربما بخسارة الكثير من اوراقها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة